gocorporation
download
شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 5
445
عناصر المادة:

الطالب: حكم ترجمة القرآن:الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم؛ وذلك لأنه يُشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها وهي: أ– وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها.ب– وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساويةٍ أو مشابهةٍ للأدوات في اللغة المترجم منها.جـ- تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات، وقال بعض العلماء..الشيخ: طيب، الآن الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن مستحيلة، لماذا؟ لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها، وهي: (وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها)، وهذا قد يتعذر؛ لأنه يوجد في بعض اللغات حروف ساقطة، فالحروف في اللغة العربية كم؟ ثمانية وعشرون، ومنها الضاد، الضاد لا توجد في اللغات الأخرى؛ ولهذا يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ» ، وهذا الحديث ليس بصحيح، لكن قصدي أن الذين ينطقون بالضاد هم العرب، وإذا كان كذلك فكيف يمكن الترجمة الحرفية؟ وهي في بعض اللغات غير موجودة.الثاني: (وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها) وهذه أيضًا قد تكون متعذرة، أدوات المعاني ما هي؟ مثل: أداة الاستفهام، أداة النفي، أداة التوكيد، وما أشبه ذلك، هذه أدوات المعاني، هل هذه الأدوات توجد في اللغة الأخرى مساوية أو مشابهة لما في اللغة العربية؟ قد يُقال: نعم، وقد يُقال: لا، ما توجد، وإذا كان كذلك فكيف تمكن الترجمة الحرفية؛ وهي أن تكون الكلمة إلى جانب الكلمة الأخرى؟!ثالثًا: (تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات) وهذا أيضًا لا يمكن (حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات) الآن المعروف في اللغة العربية أن الخبر متأخر عن أيش؟ عن المبتدأ، وفي اللغات الأخرى مقدَّم، المضاف والمضاف إليه في اللغة العربية المقدم المضاف، وفي غيرها المضاف إليه؛ ولهذا يقولون: جاز خانة، يعني: خانة جاز لكن يقدمون، كذلك في الجمل تختلف، الحركات الآن، حركات اللغة العربية صفة في الحرف، وفي غير العربية حرف مستقل.طالب: أحسن الله إليك، قلنا: في هذا الكتاب (...) التفسير، ترتيب الكلمات توقيفية على الصحيح؟الشيخ: إي، في القرآن.الطالب: في القرآن إي.الشيخ: نعم.الطالب: فعلى هذا مثلًا إذا قدَّم المصلي كلمة على كلمة، هل تبطل صلاته؟الشيخ: إذا كان عن غير قصد فإنها لا تبطل، وإن كان عن قصد بطلت.طالب: أحسن الله إليك، إذا وجد المضطر شاة ميتة وشاة مذكاة لغير وجه الله، هل على غير (...) ولا شيء (...) في اعتقادهم الباطل ماذا يكون؟الشيخ: كلاهما ميتة.الطالب: ولكن (...) الميتة.الشيخ: فيَنْظُر، أقول: فيَنْظُر إذا كان أحدهما أكثر ضررًا أو إذا كانت إحداهما أكثر ضررًا فليتجنبها.الطالب: (...) يا شيخ المقصود (...) المذكِّي أراد غير وجه الله (...) يذكي (...).الشيخ: أقول -بارك الله فيك-: ينظر لما هو أقل ضررًا، والغالب أن التي ذُبحت لغير الله أقل ضررًا؛ لأن الدم قد خرج منها، وذيك يمكن صار بها ميكروبات سيئة.الطالب: المقصود يعني: ما يحل الأكل منها؟الشيخ: كيف؟الطالب: لأنه يذَكِّيها لغير وجه الله؛ إن مقصده شين شرك؟الشيخ: لكن إذا اضطر، الآن هو مضطر، فهل يأكل الميتة الجيفة المنتنة أو يأكل هذه التي ذبحت أخيرًا حتى إنها باقية حارة، المهم إنه يأخذ بأقلهما ضررًا (...).

***

طالب: (...) ابن كثير. الشيخ: نعم. الطالب: والإمام نافع في مصر.الشيخ: ثلاثة أقسام..الطالب: الصنف التاني وهو ما اختلف معنى ولفظًا، لكن الآية تحتمل المعنيين؛ ففي قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي [الأعراف: ١٧٥] إلى آخر الآيات (الذي) من الأسماء الموصولة (...) وهي من المختصات يعني تدل على واحد معين، فاختلاف التفسير يعني ليس من اختصاص (...) اختصاص؟الشيخ: نقول: (الذي) اسم موصول، كل اسم موصول فهو للعموم ولو كان مفردًا قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] وهذا جمع فاسم الموصول وإن كان مفردًا فهو للعموم، ولكنه مبهم ما هو معين، فمن الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها؟ أحد يقول: فلان، وواحد يقول: فلان، وواحد يقول: فلان، نقول: هذا الاختلاف على سبيل التمثيل، لأنه لا يتنافى فالآية (...).طالب: الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم نبأ واحدًا معروفًا.. الشيخ: لا، التعيين في الغالب ليس مرادًا لا في الأحاديث ولا في الآيات، المهم المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات فيها وصف يقول المفسرون هو لفلان كقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٧ - ١٩] كثير من المفسرين قالوا: المراد بذلك أبو بكر، لكن نقول: لا، أبو بكر أول من يدخل في هذا لا شك من الصحابة لكن هي عامة.طالب: عندنا جماعة في تركيا كلهم قرآنيُّون، هم يتركون السُّنَّة ويأخذون القرآن بس، ويقصون (...) باللغة العربية مثلًا صلاة (...) ولا يصلون، لكن عندهم صلاة (...) ويدعون الله في أي وقت يريدونه.الشيخ: ومن شذَّ شَذَّ؟ طالب: في النار.الطالب: هل هؤلاء يَكْفُرون بهذا أم لجهلهم (...)؟الشيخ: يكفرون لا شك؛ لأن هؤلاء جحدوا وجوب الصلاة، قالوا: المراد بالصلاة الدعاء، وهذا خلاف إجماع المسلمين، كل المسلمون يَرَوْن أن قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣] حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨] المراد بها الصلوات الخمس، ثم كونهم قرآنيون ما يَصْدُقون في ذلك، لأن القرآن يأمرنا أن نُصَدِّق الرسول ونعمل بقوله، ونتأسى بفعله.الطالب: يقولون في السُّنَّة (...) كثيرة ما نستطيع أن نميز بين هذا وهذا، ويطلقون على أنفسهم..الشيخ: حينئذ نادَوا على أنفسهم بالجهل، وإذا كانوا جاهلين يتعلموا، المهم أن هذا من سُبُل الشيطان، والعياذ بالله.

***

الشيخ: (...) في التفسير بارك الله فيك.الطالب: وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تَحَقُّقُها في بعض آية أو نحوها، ولكنها -وإن أمكن تحققها في نحو ذلك- محرمة؛ لأنه لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية.الشيخ: إذن الترجمة الحرفية مُحَرَّمة، هذا إذا قلنا: بإمكانها، لكن على القول الأول اللي عليه الجمهور يقولون: إنه لا يمكن الترجمة الحرفية، وذكرنا التعليلات، لكن من العلماء مَنْ يقول: يمكن الترجمة الحرفية في بعض آية أو نحوها، ولكن نقول: هي محرَّمة، ولو أمكن جملة معترضة، ما نزيد، كما في بعض (...) أقول يقول: إنه لا يمكن؛ لأنه تَحْرُم الترجمة الحرفية، لماذا؟ لعِلَلٍ؛ أولاً: (لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله) وهذا صحيح لا من جهة التقديم والتأخير، ولا من جهة حروف المعاني والتوكيد ولا من جهة الإضافات والتقديم والتأخير.(ولا أن تؤثر في النفوس كتأثير القرآن العربي المبين) صحيح، هذه علة ثانية، والقرآن إنما نَزَل واعظًا للقلوب؛ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء [يونس: ٥٧] أيش؟ لِمَا فِي الصُّدُورِ.(ولأنه لا ضرورة تدعو إليها، لماذا؟ للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية) فلأجل هذه العلل الثلاث صارت الترجمة الحرفية -إن أمكنت- صارت حرامًا.الطالب: وعلى هذا فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسًّا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعًا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها من غير أن يترجم التركيب كله فلا بأس.الشيخ: صحيح، يعني: مثلًا لو كلمة غريبة ترجمها لإنسان كلمة واحدة فقط دون مراعاة التركيب فهذا ضرورة ولا بأس به، كما لو كانت كلمة عربية تخاطب بها إنسانًا عربيًّا، لكن لا يعرف معناها تقول: معناها كذا وكذا.الطالب: وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محذور فيها وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية؛ لأن إبلاغ ذلك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.الشيخ: إذن الترجمة المعنوية للقرآن الكريم حكمها في الأصل؟طلبة: الجواز.الشيخ: أجيبوا، يا جماعة.الطلبة: الجواز.الشيخ: جائزة، حكمها في الأصل جائزة، لكن إن توقف إبلاغ الشريعة عليها صارت الترجمة واجبة؛ لأن إبلاغ القرآن واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبناء على ذلك نقول: ترجمة الخطبة يوم الجمعة واجبة؛ لأن غير الناطقين باللغة العربية لا يدرون ماذا يقول أبدًا، إن كان الخطيب حيًّا ينفعل ويتحرك وكأنه منذر جيش يقول: صَبَّحَكُم ومَسَّاكُم فهم ينفعلون بناء على أنه -أي الخطيب- انفعل وإذا كان يقرأ هكذا هذًّا فإنهم لن يستفيدوا إطلاقًا، واضح يا جماعة، إذن نقول: إذا كان يتوقف على الترجمة إبلاغ الشريعة كانت الترجمة واجبة، لماذا؟ لأن إبلاغ الشريعة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.الطالب: لكن يشترط لجواز ذلك شروط:الأول: ألا تُجعل بديلاً عن القرآن بحيث يُستغنى بها عنه، وعلى هذا فلا بد أن يُكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة لتكون كالتفسير له.الثاني: أن يكون المترجِم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق.الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن، ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه.الشيخ: الترجمة المعنوية تجوز بهذه الشروط، ثلاثة:(الشرط الأول: ألا تُجعل بديلاً عن القرآن) بحيث يُكتب القرآن كله بالترجمة المعنوية ولا يقرأ القرآن، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه لا بد من قراءة القرآن، وعلى هذا فأفضل سبيل في ذلك أن نجعل القرآن باللغة العربية في صفحة والترجمة في صفحة، أو في نصف صفحة والترجمة في نصف صفحة حتى لا يُفقد القرآن الكريم من المصحف.(ثانيًا: أن يكون المترجم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها وما تقتضيه) –أي: الألفاظ- (حسب السياق)، وهذا أمر لا بد منه أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ في لغته وبمدلولات الألفاظ في لغة القرآن؛ حتى يتمكن من التعبير عن هذه بهذه، وأما إذا كان ليس قويًّا فلا يحل أن تترجم ولا يؤمن أن تترجم.(الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن)، عالم بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن؛ يعني معنى الصلاة الزكاة الصيام الحج الغيبة وهكذا، فإن لم يكن عالمًا بذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه ربما يُفَسِّرها بمقتضى اللغة العربية دون الحقيقة الشرعية كمن فَسَّر قوله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] قال: هُنَّبنطلون، يصلح هذا؟!الطلبة: لا.الشيخ: ما يصلح هذا، لكن على كل حال لا بد من أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ في اللغتين المترجم منها والمترجم إليها. وهناك شرط رابع لا بد منه وهو أن يكون موثوقًا، لكن هذا لا يعود إلى الترجمة، ولذلك قلنا: ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمونٍ عليها.فالشروط الثلاثة الأولى لحكم الترجمة إذا أراد الإنسان أن يترجمها إن ترجم القرآن، لكن هل نقبل الترجمة من كل مَنْ ترجم القرآن وقال: إني ترجمته؟ لا، لا بد أن يكون مأمونًا أي: ذا عقيدة سليمة نأمن منه أن يحرف القرآن على عقيدته، فإن لم يكن مأمونًا فإنه لا يجوز أن نعتمد على ترجمته.وإني أذكر لكم قصة وقعت عليَّ، نعم، لتأخذوا منها عبرة؛ كنا نحدِّث الناس في المطار في أيام الحج في مسجد المطار، ونتكلم باللغة العربية، وجاءني رجل شيخ محترم في هندامه وشكله، وقال: أنا أترجم لك -وكان أكثر الذين عندنا نيجيريين- قال: أنا أترجم لك، فأعجبني شكله هندامه، وإنه يعني رجل..، شيخ: جزاك الله خيرًا، بدأ يترجم لي وكان الصوت يخرج من المنار في أثناء الترجمة، وأنا أقرأ وهذا يلاحقني دخل علينا رجل قال: هذا الذي يترجم لك تراه ضد كلامك، إذا قلت: هذا توحيد قال: هذا شرك، وإذا قلت: هذا واجب قال: هذا حرام، مشكلة، خَلَّى الترجمة (...) -سبحان الله العظيم- نروح من الحية لحية ثانية! إلا بطلنا، ما نتكلم إلا بالعربية، من فَهِم فليفهم، ومن لم يفهم فلا علينا منه، حقيقة مشكل الائتمان والثقة لا بد منها، والعلم بمدلولات الألفاظ لا بد منه.لو أن إنسان يريد أن يترجم لك في العقيدة وهو لا يعرف، عنده علم غزير في الفقه لكن ما يعرف علم العقيدة هل هو مأمون؟ ليس بمأمون، وإن كان حسن النية؛ لأنه ما يعرف، في العقيدة ألفاظ واصطلاحات لا توجد في الفقه وكذلك بالعكس، فالمسألة خطيرة، ولهذا تجد أحيانًا التفسير المترجم في القرآن يعني يشرف عليه عدة من العلماء، وإذا تداوله الناس وجدوا أخطاء؛ أخطاء مهمة، كل هذا ناتج عن إما عدم الأمانة وإما عدم المعرفة. طالب: إذا أشرف على هذه الترجمة نصارى، هل نتركهم يترجمون؟الشيخ: لا إذا كان في العقيدة ما نتركهم.الطالب: (...) يترجم النصارى ديننا.الشيخ: إي ما يخالف، يترجم الصلاة، يترجم الزكاة الأخلاق الآداب، أما أن يترجم العقيدة، ثم ينقل هذا النصراني إلى إسلام محرف ما يصير، لكن نقول: لا بأس في الصلاة، وفي الزكاة وفي الصيام لا مانع.طالب: شيخ في إلقاء المحاضرة، الواحد يلقي محاضرة أو خطبة؟الشيخ: أيش؟الطالب: إلقاء محاضرة أو خطبة هل يقرأ أول باللغة العربية ثم يترجم فقط (...) باللغة (...) اللغة لغة أخرى، هل يجب عليه في الخطبة أو في المحاضرة (...) لغة أخرى.الشيخ: يعني: هو يتكلم في قوم لا يعرفون لغته؟الطالب: نعم.الشيخ: ما الفائدة إذا لم يترجم لهم.الطالب: الأول يقرأ باللغة العربية القرآن؟الشيخ: لا، لا حاجة ما دام ما في عرب، ما حاجة يتكلم الخطبة باللغة اللي هي لغة القوم لكن إذا جاءت الآيات قرأها بالعربية. طالب: (...) استفتاح الخطبة، نستفتح بـ(إن الحمد لله)؟ الشيخ: لا، ما هو لازم، إن الحمد لله بلغة المخاطبين.طالب: هنا في تفسير الآية، عاصٍ بسفره، لماذا قَيَّد العِصيان بالسفر؟الشيخ: إي، العادي هو العاصي بسفره ولّا في سفره؟الطالب: لا بسفره.الشيخ: والفرق؟ هذا الذي تسأل عنه الآن؟الطالب: لماذا قيد العصيان بالسفر؟الشيخ: يعني معناه أن سفره..الطالب: العصيان غير السفر.الشيخ: لا، عاص بسفره يعني: أن سفره محرم، وليس المعنى عاص في سفره، ولهذا نقول: العاصي بسفره لا يقصر، والعاصي في سفره يقصر، فهمت، فمثلًا الذي سافر إلى مكة للعمرة، لكنه في أثناء السفر ارتبك محرمًا، هذا عاص في سفره أو عاص بسفره؟الطالب: في سفره.الشيخ: في سفره، والذاهب إلى بلاد خربة يريد أن يخرب هناك هذا عاص بسفره.طالب: شيخ في قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] فَسَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي، هل يجوز أن يفسر غير الرمي مثل أسلحة (...)؟الشيخ: لا، مراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُبَيِّن القوة الأكمل، يعني: أن الرمي أكمل من السلاح الأبيض كما يقولون؛ لأن الرمي يقذف بقذيفة على عدوه وهو بعيد عنه؛ فلهذا فَسَّر الرسول عليه الصلاة والسلام القوة أي: أكمل القوة هو الرمي.طالب: ذكرتم أن الحكمة من إنزال القرآن الكريم تدبر آياته والاتعاظ بما فيه، فهل يلزم من هذا أن تكون حتى آيات الأحكام يجب على المسلم أن يتعظ بما فيها؟ أو يكون فيها موعظة مثل يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] كيف يكون وجه الموعظة؟الشيخ: الموعظة بارك الله فيك، ما هو معناها لين القلب أو خشوع القلب أو ما أشبه ذلك، الاتعاظ: التزام الأحكام؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه [النساء: ٥٨] فجعل هذه موعظة، فالتزام الأحكام اتعاظ لا شك؛ يعني: ليس الموعظة يُقصد بها ما يرقق القلب فقط.طالب: شيخ بالأمس أو قبله لما أفتينا يعني بحرمة رطانة لغة غير المسلمين، شيخ بعضهم يعني لعله كثير يعني يتقن خمس لغات تقريبًا يكتب بها. الشيخ: أيش؟الطالب: الإنسان أحيانًا يتعلم لغات غير لغته مختلفة، أربع، خمس، بيتقنها ويتكلم بها ويكتبها هذا لكي يدعو، وأحيانًا يعني ييجي يقول للناس أيضًا: لا يجوز، هذا فيه بأس؟ يتعلمها من غير حاجة؟الشيخ: هذا -بارك الله فيك- التعليم غير (...) يجعل اللغة الأجنبية محل اللغة العربية ما يصير.الطالب: شيخ أحيانًا يعني يتعود إنه أيش يتكلم عليها..الشيخ: المهم هذا لو غرضه صحيح، كونه مثلًا يتخاطب مع زملائه بلغة أخرى للتعلم لا بأس به.طالب: القرآن المترجم يأخذ حكم القرآن الأصلي؟ الشيخ: لا، القرآن المترجم لا يأخذ حكم القرآن غير المترجم، فيجوز مَسُّه بغير وضوء، ويجوز بيعه وشراؤه إلى آخره.الطالب: إذا وُجد الأصل؟الشيخ: لا، إذا وُجد الأصل يُنظَر أيهما أكثر، فالحكم للأكثر.طالب: قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِير [البقرة: ١٧٣] قلنا: إن هذه الآية فسرتها آية فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة: ٣].الشيخ: نعم.الطالب: لماذا يفسِّرها الصحابة وقد فسرت في القرآن؟ الشيخ: نعم، بماذا فسروها؟الطالب: فسروها قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكلها.الشيخ: زين، وبعدها.الطالب: وقيل: غير خارج عن الإيمان ولا عاص بسببه.الشيخ: هذا تفسير الصحابة؟الطالب: فقيه؟الشيخ: نعم، فقيه ما هو من الصحابة؛ ولهذا لم يرد عن الصحابة إلا تفسيرها بالمعنى الأول.طالب: معنى (متتابع)؟الشيخ: يعني: معنى ذلك: يتابع تباعًا، يعني: ما نعطيك كأس ولا مِنَّك شربته وتوالي الثاني، نقول: اصبر بعد ساعتين تجيبها تاني على طول، هذه متتابعة، فهمتها الآن؟

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير:المشتهرون بالتفسير من الصحابة.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم قبل أن نبدأ في الدرس الليلة نسأل: ما معنى الترجمة؟طالب: الترجمة هي نقل الكلام..الشيخ: إلى؟الطالب: من لغة إلى لغة أخرى.الشيخ: نقل الكلام من لغة إلى لغة.طالب: قلنا: الأصل التعبير (...) الكلام إلى لغة (...).الشيخ: التعبير عن معنى الكلام إلى لغة أخرى، وهو أحسن من نقل.ترجمة القرآن حكمها؟ طالب: حكمها تفصيلي؛ يجوز..الشيخ: فيه تفصيل؟ فصِّل.الطالب: إذا كان حرفيًّا فلا يجوز.الشيخ: فلا يجوز، أحسنت.الطالب: وإذا كان معنى إجماليًّا يجوز؛ يعني إذا كان..الشيخ: إذا كان حرفيًّا لا يجوز، لماذا علِّل؟الطالب: لأنه أولا فيه شروط لا يمكن وجودها فتحتاج إلى أن يوجد لغة أخرى تطابق العربية نفس الحروف والكلمات وأشياء لا يمكن.الشيخ: يعني: لاختلاف الترتيب بين اللغة العربية وغيرها، والاختصاصات كحروف المعاني وغيرها، فالترجمة الحرفية غير ممكنة لكن على تقدير أنها ممكنة فهي محرمة؛ لأنها تنقل القرآن إلى لغة أخرى إلى غير ما تكلم الله به، هل يشمل ذلك إذا أردنا أن نترجم كلمة واحدة لمن لا يفهمها؟طالب: قلنا: إن الكلمة الواحدة لا تدخل في هذا التحريم، كما لو فسَّر إنسان كلمة في القرآن بالعربية لمن لا يفهم هذه الكلمة.الشيخ: إذن ترجمة كلمة واحدة لا تدخل في هذا الموضوع؛ لأنها تُشْبِه التفسير كأنه بَيَّن له معنى هذه الكلمة. المعنوية ما حكمها؟طالب: حكمها جائزة، وإذا كان الشيء واجبًا وكان الشيء الذي يترجم إليه..الشيخ: إذا كان يتوقف عليها بيان الشرع فهي واجبة، إذن هي في الأصل؟الطالب: جائزة.الشيخ: نعم، وإذا كان يتوقف عليها إبلاغ الشرع فهي؟الطالب: واجبة.الشيخ: يشترط شيء؟طالب: نعم، يشترط شروط؛ يشترط أربعة شروط.الشيخ: أو ثلاثة.الطالب: ثلاثة. الشيخ: الأول؟طالب:الشرط الأول: أن يكون المترجِم عالمًا باللغتين، والشرط الثاني..الشيخ: اصبر عالمًا باللغتين يعني بمدلولات الألفاظ في اللغة المترجم منها وإليها، هذا واحد. طالب: ألا يكون هذا المترجَم بديلًا عن القرآن.الشيخ: تمام، ألا يُجْعَل بديلًا عن القرآن؛ بحيث يترك القرآن ويأخذ هذا المترجَم ويتلوه آناء الليل والنهار، فهذا لا يجوز. طالب آخر: أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ الشرعية في القرآن.الشيخ: ما هو قالها؟طالب: عالمًا باللغتين؟الشيخ: إي نعم.الطالب: الثالث: أن يكون عالمًا بالألفاظ الشرعية.الشيخ: طيب، بمعنى الألفاظ الشرعية في القرآن حتى لا يُفَسِّره بغير ما أراد الله.طالب: الرابع أن يكون مأمونًا ثقة.الشيخ: لا، هذه الشروط الثلاثة للترجمة، لكن متى يُقبل؟ نقول: هذا شرط للقبول، أن يكون المترجم مأمونًا، فلا نقبل ترجمة من إنسان غير مأمون؛ لأننا لا نثق به. علاقة الترجمة بالتفسير أظنها واضحة؛ لأن الترجمة في الحقيقة هي تفسير للمعاني.

***

الطالب: المشتهرون بالتفسير من الصحابةاشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة ذكر السيوطي منهم: الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالِمين بالتفسير.ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضًا: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين رضي الله عنهم.الشيخ: الصحابة رضي الله عنهم لا شك أنهم أعلم الناس بتفسير كلام الله، لكن اشتهر منهم أناس كالخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولكن النقل عن الثلاثة الأوَّلين قليلٌ؛ لأنهم مشتغلون بالخلافة؛ ولأن الناس ليس عندهم جهل كثير في معاني القرآن فليسوا بحاجة إلى أن يفسِّروه.ومن المشتهرين أيضًا عبدُ الله بن مسعود وعبدُ الله بن عباس، فذكرنا الآن كم؟ ستة، الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس، كيف سبعة؟!طالب: ستة.الشيخ: نعم.

الطالب: أولًا: علي بن أبي طالب هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو زوج ابنته فاطمة رضي الله عنها.الشيخ: لماذا اخترنا علي بن أبي طالب على بقية الثلاثة؟ لأن النقل عنه كثير.الطالب: وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم، وكنيته أبو الحسن وأبو تُراب، ولد قبل بعثة..الشيخ: أما كونه أول من آمن به مِن قَرابته هذا هو الصواب، أول من آمن به من قرابته هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وليس هو الأول على الإطلاق، بل الأول على الإطلاق هو أبو بكر، بل قبل أبي بكر ورقةُ بن نوفل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصَّ على ورقة ما رآه من الوحي آمن به، وقال: ليتني كنت فيها جذعًا، ليتني معك إذ يخرجك قومك، فأقر واعترف، لكن ذلك قبل الرسالة، فلهذا نقول: أول من آمن بنبوته من الرجال هو ورقةُ بن نوفل، لكن هل هو صحابي، أو لا؟ هو آمن قبل الرسالة، فإذا قلنا: إن من آمن به نبيًّا فهو صحابيٌّ صار صحابيًّا، وإن قلنا: لا يكون صحابيًّا إلا حيث توجه إليه الدعوة وذلك بعد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من الصحابة، لكن أول من آمن به من الرجال بعد الرسالة هو أبو بكر، كما أقر بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أما من قَرابة الرسول فأولُ مَن آمن به علي بن أبي طالب.كنيته: أبو الحسن؛ لأن أكبر أولاده الحسن، أبو تُراب؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كَنَّاه بذلك حين رآه نائمًا في المسجد، وقد انفصل رداؤه وعَلِقَ الترابُ بجنبه من عَرَقِه قال: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ» فكُنِّيَ بذلك، وكان أحب الكُنْيَتَيْن إليه.الطالب: وُلد قبل بَعْثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحبَ اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خَلَّفَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال له: «أَمَا تَرضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، نُقل له من المناقب..الشيخ: لأن موسى قال لأخيه هارون اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: ١٤٢]، والرسول عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «اخْلُفْنِي فِي أَهْلِي» فكان مثله بمنزلة هارون من موسى في خلافته في أهله، لا في الخلافة المطلقة كما زعمت الرافضة، بل هو بمنزلة هارون من موسى في هذه الخلافة فقط، فإن عليًّا رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أتدعني مع النساء والصبيان؟ فقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، وعلى هذا فهي خلافة مخصوصة مقصورة.الطالب: نُقل له من المناقب والفضائل ما لم يُنقل لغيره، وهلك به طائفتان؛ النواصب الذين نَصَبُوا له العداوة وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حُبِّه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غِنًى عنه، بل هو عند التأمُّل من المثالب، اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة..الشيخ: الروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وقولنا: (فيما زعموه)؛ لأن هذا هو الذي يظهرونه، ولكن حقيقة الأمر أنهم يخالفونه في أشياء؛ فهو رضي الله عنه يُعْلِن على منبر الكوفة أن خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، وهم يقولون: لا، ما هو صحيح، هو -رضي الله عنه- ممن روى أحاديث المسح على الخفين، والروافض لا يقبلون هذا، ولا يرون المسح على الخفين؛ لذلك عبر بهذا التعبير (فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غِنًى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب) ومن ذلك أنهم قالوا: إنه رضي الله عنه كان يُصَلِّي فيما بين صلاة المغرب والعشاء ألف ركعة، وعَدُّوا ذلك من من مناقبه.وقالوا: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة: ٥٥] قالوا: إن هذا علي بن أبي طالب، والحقيقة أن هذا من المثالب، كونه يصلي فيما بين المغرب والعشاء ألف ركعة، كيف تكون القراءة؟ كيف الركوع؟ كيف السجود؟ كيف القيام؟ كيف القعود؟طالب: نقر.الشيخ: ولَّا أشد من النقر؟ حركة مروحة السيارة، يعني: شيء عجيب، قال لهم شيخ الإسلام في رده عليهم في المنهاج: إذا قلتم هذا فهذا من أكبر المثالب، وإذا كان الرسول قال للأعرابي: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» هذا أيضًا لم يُصَلِّ، فلا تُقبل صلاته، كذلك أيضًا كونه يؤدي الزكاة وهو راكع، هل هذا منقبة أو مَثْلَبة؟ مثلبة، الزكاة تُؤَدَّى في غير وقت الصلاة، في غير حال الصلاة؛ لأنها لا تفوت، كونه يتحرك ويهيأ له فقير يأتي إليه وهو راكع ثم يعطيه هذا ليس منقبة، فالحاصل أنهم كما قال المؤلف: عَدُّوا من مناقبه ما هو في الواقع من مثالبه، وأكثر ما ذكروا من المناقب هو في غِنًى عنها رضي الله عنه، وله من المناقب ما هو أفضل منها وأعظم.الطالب: اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والذكاء مع العلم والذكاء؛ حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَتَعَوَّذ من مُعْضِلَةٍ ليس لها أبو حسن، ومن أمثلة النحويين: قضية ولا أبا حسن لها، ورُوي عن علي أنه كان يقول..الشيخ: وهذا معروف رضي الله عنه بأنه من أذكى الرجال، ومن أعقل الرجال أيضًا، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُعَظِّمُه ويُجِلُّه، ويَتَعَوَّذُ من مُعْضِلَةٍ ليس لها أبو حسن، المعضلة يعني: المسألة المشكلة التي تَعْضُل الإنسان وتقطع تفكيره، يتعوذ من هذه المعضلة إذا لم يكن لها أبو حسن فإن كان لها أبو حسن انحلت، إي نعم، رضي الله عنه.الطالب: ورُوي عن عَلَيٍّ أنه كان يقول: سلوني سلوني، وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أَنَزَلَتْ بليل أو نهار ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا جاءنا الثَّبْتُ عن عَلِيٍّ لم نعدل به ، ورُوي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب ، كان أحد أهل الشورى الذين رَشَّحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأَبَى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان فبايعه عَلِيٌّ والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قُتل شهيدًا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة رضي الله عنه.الشيخ: اللَّهُمَّ ارضَ عنه.

الطالب: ثانيًا: عبد الله بن مسعود:هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عَبْدٍ كان يُنسب إليها أحيانًا، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد..الشيخ: عندكم في أسفل الحاشية لأن أباه؟الطالب: نعم، وأمه أم عَبْد كان يُنسب إليها أحيانًا؛ وذلك لأن أباه مات في الجاهلية وأدركت أمه الإسلام فأسلمت، وكان من السابقين الأَوَّلين في الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، تَلَقَّى من النبي صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إِنَّكَ لَغُلَامٌ مُعَلَّمٌ» ، وقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَّا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ، وفي صحيح البخاري أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ . وقال: والله الذي لا إله غيره ما أُنْزِلَتْ سورةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نَزَلَتْ ولا أُنْزِلَتْ آيةٌ من كتابِ الله إلا وأنا أعلم فيمن أُنْزِلَتْ، ولو أَعْلَمُ أحَدًا أعلم مني بكتاب الله تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرِكِبْتُ إِلَيْهِ ، وكان..الشيخ: هذا الكلام لا شك أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يريد أن يُزَكِّيَ نفسَه به، لأنه أَطْهر من ذلك، لكنه أراد أن يحث الناس على تلقِّي التفسير عنه؛ لأن الناس إذا علموا أنه بهذه المنزلة من العلم أَكَبُّوا عليه وأخذوا منه، وهذا يَقَعُ لمن هو دون ابن مسعود رضي الله عنه، انظر مثلًا إلى ابن مالك في ألفيته يقول أيش؟يقول:
تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي
هذا ثناء على المؤلف، لكن هل قصده الفخر على ابن معط؟ أو أن يزكي نفسه؟ لا، الذي نعلم من حاله أنه لا يريد هذا وإنما يريد بذلك أن يُقْبِل الناس على هذا النظم ويأخذوا به، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم بالنيات، وكم من كلمة أو فعل صدر من إنسانين بينهما كما بين السماء والأرض.الطالب: وكان ممن خَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم فكان صاحب نعليه وطهوره ووساده، حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم تأثر به وبهديه حتى قال فيه حذيفة: ما أعرف أحدًا أقرب هديًا وسمتًا ودلًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عَبْد.الشيخ: نعم، هذا صحيح، حتى إن كلامه رضي الله عنه يشبه كلام النبي عليه الصلاة والسلام واقرأ ما رواه مسلم في كتاب الصلاة: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحافِظْ على هؤلاء الصَّلَوات حَيْثُ يُنادَى بِهِنَّ إلى آخر الأثر، إذا قرأته تقول: هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خالط النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وكما قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إنه بقي زمانًا يظن أن ابن مسعود من آل بيت الرسول.الطالب: بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمَّارًا أميرًا وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاقتدوا بهما، ثم أمَّره عثمان على الكوفة ثم عزله وأمره بالرجوع إلى المدينة فتُوفي فيها سنة اثنتين وثلاثين ودُفِن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة.

ثالثًا: عبد الله بن عباس.هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، لازم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وضمَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» ، وفي رواية: «الْكِتَابَ» ، وقال له حين وضع له وَضوءه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» فكان بهذا الدعاء المبارك حَبْرَ الأمة في نشر التفسير والفقه حيث وَفَّقَهُ الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه، وبذله، فنال بذلك مكانًا عاليًا حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه، ويأخذ بقوله فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم: ذاكم فتى الكهول، له لسان سَؤول، وقلب عقول ، ثم دعاه ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه، فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمِرْنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فُتح علينا، وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا، قال: فما تقول؟ قال: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُفَتْح مكة فذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ٣] قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لَنِعْمَ تُرْجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد ، أي: ما كان نظيرًا له، هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستًّا وثلاثين سنة فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم.الشيخ: الله أكبر صحيح، هذا كلام ابن مسعود رضي الله عنه قبل أن يموت ابن عباس بكم؟ بأكثر من ست وثلاثين سنة، (فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم) في تفسير القرآن وغيره؟ هو كثير لا شك.الطالب: وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم مَنْ بَقِيَ بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال عطاء: ما رَأَيْتُ قَطُّ أكرمَ من مجلس ابن عباس فقهًا وأعظمَ خشيةً، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يُصْدِرُهُمْ كلهم من وادٍ واسع ، وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على المَوْسم -أي: والٍ على موسم الحج من عثمان رضي الله عنه- فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسِّر فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت ، ولَّاه عثمان على موسم الحج.الشيخ: خطب مرة الناس، خطبهم من صلاة العصر إلى الغروب واستمر حتى حان وقت العشاء، فقام رجل فقال: الصلاة يا ابن عباس، فقال: أَتُعَلِّمُنِي السُّنَّة؟!! لقد جَمَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بين الظُّهْرِ والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر ، وهذا يدل على قدرته وقوته لا سيما إذا كان العصر في أيام الصيف سيكون طويلًا، ومع ذلك استمر رضي الله عنه.

***

الطالب: ولَّاه عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وولاه عَلِيٌّ على البصرة فلما قُتِل مضى إلى الحجاز فأقام في مكة ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمانيةٍ وستِّين عن إحدى وسبعين سنة.

المشتهرون بالتفسير من التابعين:اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون؛ فمنهم:أ– أهل مكة وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء ابن أبي رباح.ب– أهل المدينة وهم أتباع أُبَيِّ بن كعب كزيد بن أسلم وأبي العالية ومحمد بن كعبٍ القُرَظِي.جـ- أهل الكوفة وهم أتباع ابن مسعود كقتادة وعلقمة والشعبي.فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة.

أولًا: مجاهد:هو مُجاهد بن جَبْرٍ المَكِّي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، وُلد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنهما، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرْضَاتٍ من فاتحته إلى خاتمته، أُوَقِّفه عند كل آية وأسأله عنها ، وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فَحَسْبُك به ، واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، وكان كثيرًا ما ينقل عنه في صحيحه، وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، تُوفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة عن ثلاث وثمانين سنة.

ثانيًا: قتادة:هو قتادة بن دِعامَةَ السَّدُوسِي البصري وُلد أَكْمَه أي: أَعْمى سنة إحدى وستين، وَجَدَّ في طلب العلم، وكان له حافظة قويَّة حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أَعِدْ لِي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلب . الشيخ: أسأل الله أن يجعلكم مثله.الطلبة: آمين.الشيخ: أما أنتم ما شاء الله (...) بالله، أما على حالكم؛ يعني: لو حصل إن نردِّد الكلام عشر مرات كان هو المطلوب.الطالب: نسجل.الشيخ: إي نسجل صحيح (...) بعض الشيء، الله أكبر، سبحان الله.الطالب: وذكره الإمام أحمد فَأَطْنَبَ في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قَلَّمَا تجد مَنْ يَتَقَدَّمَه أما المِثْل فلَعَلَّ، وقال: هو أحفظ أهل البصرة.الشيخ: (قَلَّ مَنْ يَتَقَدَّمَهُ) يعني: من يكون أعظم منه، (أما المَثَل فلعلَّ) ما جزم أنه يوجد له مثيل.الطالب: وقال: هو أحفظ أهل البصرة لم يسمع شيئًا إلا حَفِظَه، تُوفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة عن ست وخمسين سنة.الشيخ: صغير، رحمه الله، هو رُمِي بالتدليس في الواقع، لكنهم يقولون: إن روايته بلفظ (عن) عن أنس بن مالك إنها متصلة؛ ولهذا يروي عنه البخاري ومسلم بهذه الصيغة أي بالعنعنة عن أنس.طالب: مئة يا شيخ، هناك خطأ في الإملاء.الشيخ: مئة أيش؟الطالب: خطأ في إملائها الهمزة على نبرة قبل التاء.الشيخ: مئة صح.الطالب: لا الإملاء.الشيخ: مئة، سبع عشر ومئة.الطالب: إملائها، في الإملاء.الشيخ: على شكل فئة هذا الصواب،طالب: في ألف يا شيخ قبل الهمزة؟الشيخ: لا لا، القاعدة الأخيرة أن مئة على وزن فئة ومائتين فيها ألف.

الطالب: القرآن محكم ومتشابه؛ يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع:النوع الأول: الإحكام العام الذي وُصِفَ به القرآن كله مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤]، ومعنى هذا الإحكام: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عَدْل وحكمة ليس فيها جور ولا تعارض ولا حُكْمَ سَفِيهٍ.النوع الثاني: التشابه العام الذي وُصِف به القرآن كله مثل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]، ومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه؛ مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]، ومعنى هذا الإحكام: أن يكون معنى الآية واضحًا جليًّا لا خفاء فيه؛ مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، وقوله: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع [البقرة: ٢٧٥] وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣]، وأمثال ذلك كثيرة، ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مُشْتَبِهًا خَفيًّا بحيث يَتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك مثاله.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الإحكام والتشابه في القرآن هذا على ثلاثة أنواع؛ إحكام عام، وتشابه عام، وإحكام خاص وتشابه خاص، كلُّه وُصِفَ به القرآن؛ قال الله تعالى في وَصْفِ العام: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] فأنت ترى أن القرآن كله وُصِف بالحكمة، وأنه حكيم، و(حكيم) بمعنى: (محكم)، وبمعنى (حاكم)؛ لأن القرآن أداة الحكم، ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فكله محكَم مُتْقَن جيد، في أعلى ما يكون، ولكن هل هو يتفاضل في هذا الباب؟الجواب: أما من حيث المتكلم به فإنه لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد وهو الله، أما من حيث الأسلوب والمعنى فإنه يتفاضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين سأل أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ: «أَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: آية الكرسيِّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِهِ وقال: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» وقال في الفاتحة: «إِنَّهَا أَعْظَمُ سُورَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ» ، وقال في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ، فالقرآن يتفاضل من هذا الوجه، أما من جهة المتكلم به فلا يتفاضل.التشابه العام: هو أن القرآن يُشْبِه بعضُه بعضًا في الكمال والجودة والأحكام والإحكام والأخبار وغيرها؛ لقول الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣] ما قال: بعضه متشابه قال: كُلَّه كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ.طالب: معاني.الشيخ: كيف؟الطالب: مكتوب معاني.الشيخ: مثاني.الطالب: (...) النسخة.الشيخ: إي، في النسخة اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِفهو يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والإتقان وغير ذلك؛ ولهذا كان جميع القرآن معجِزًا، وآية منه من أَيِّ سورة معجزة.أما الثالث: فهو أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟الإحكام هو الواضح، (المحكَم) يعني الواضح البيِّن الذي لا يحتاج إلى تأمل طويل، ولا يختلف الناس فيه؛ دليله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] يعني: يتتبعون المتشابه ويحصرونه ويوردونه على الناس ليُلَبِّسُوا عليهم دينهم ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب [آل عمران: ٧] فقَسَّم الله تعالى القرآن إلى قسمين؛ لقوله: مِنْهُ آيَاتٌ [آل عمران: ٧] هذه (من) للتبعيض وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧]، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟ الإحكام يعني به: أنه مُحْكَم واضح لا يشتبه على أحد، والمتشابه أنه يخفى على بعض الناس، وبهذا نعرف أنه لا تناقض بين وصف القرآن كله بالإحكام ووصفه كله بالتشابه، ووصف بعضه بالإحكام وبعضه بالتشابه، قال: (ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشْتَبِهًا خَفِيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله) إلى آخره.طالب: في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] لو قيل: الوصل أولى؛ لأن الراسخون في العلم يعلمون مُتَشابِه الآيات؟الشيخ: لا، الوصل والفصل يختلف إذا جعلت التأويل بمعنى التفسير فالوصل أولى، وإن جعلت التأويل المآل والعاقبة فالفصل أولى؛ ولهذا ورد عن السلف قراءتان: قراءة الوصل، وقراءة الفصل؛ بناء على معنى التأويل، إن جعلنا معنى التأويل التفسير فالوصل، إن جعلناه معناه ما يؤول إليه الشيء فإن ذلك لا يعلمه إلا الله.

***

طالب: يا شيخ بالنسبة لصحيح مسلم حديث ابن عباس (...) إذا أمكن تكملون شرحه؛ لأن فيه بعض إشكالات وكذا..الشيخ: اللي هو؟الطالب: حديث طويل مع السيدة عائشة رضي الله عنها.الشيخ: نعم، أيش؟الطالب: فيه بعض مشكلات يعني.الشيخ: إي نعم، نحن أجَّلنا صحيح مسلم، أجلناه.الطالب: جزاك الله خيرًا، يجوز إثبات تاء التأنيث وحذفها في العدد المؤنث نقول مثلًا: يعني ثماني سنة وثمانية وستين؟الشيخ: ثمان؟الطالب: نقول: ثمان.الشيخ: إن قلت: سنة ثمان.الطالب: في ترجمة ابن عباس وكذلك مكتوبة..الشيخ: لعلها عام.الطالب: لا، بعد سنة ثمانية وستين.الشيخ: ثمان وستين، الصواب: ثمان.طالب: أحسن الله إليك، يعني: أورد المشتهرون بالتفسير علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس..الشيخ: نعم.الطالب: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وابن عباس، هل تفاسيرهم محفوظة، وهل التفاسير التي تنسب إليهم صحيحة؟الشيخ: لا، هذه على كل حال هي لا أحفظها أو لا أعرف أنها مجموعة إلا ما يُنسب عن ابن عباس رضي الله عنهما مع أنه فيه أشياء ما هي بصحيحة، المقباس من تفسير ابن عباس فيه أشياء غير صحيحة، لكن ابن كثير رحمه الله في تفسيره ينقل عنهم إلا أنه ينقل عنهم بلا سند في الغالب، وابن جرير ينقل عنهم بالسند، لكن ابن جرير لم يمحص في السند، وكأنه رحمه الله أراد أن يجمع الآثار الواردة في التفسير وعَلَى من بعده أن يحقق ويحرر.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى: في كتابه أصول في التفسير في معرض ذكر النوع الثالث من الإحكام والتشابه الوارد في القرآن قال: ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك، مثاله فيما يتعلق بالله تعالى.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن القرآن وُصِف بأنه كله مُحْكَم، وأنه كله متشابه، وأن منه محكمًا ومتشابهًا؛ فأما الإحكام العام فهو الإتقان والجودة وعدم الكذب في أخباره أو الجور في أحكامه أو التناقض، وأما التشابه العام فهو أن بعض القرآن يشبه بعضًا في الكمال والجودة والبلاغة وغير ذلك من مكملات الكلام.وأما التشابه الخاص ببعضه، والإحكام الخاص ببعضه، فالإحكام معناه الوضوح بحيث يعرفه كل أحد ولا يخفى على أحد، والتشابه هو الذي يشتبه على بعض الناس ولا يعرفه إلا الراسخون في العلم، ونحن الآن بصدد الكلام على هذا، بصدد الكلام على التشابه، الإحكام الخاص والتشابه الخاص، وسبق الكلام على الإحكام الخاص وأنه واضح مثل السماء والأرض وما أشبه ذلك.التشابه الخاص: هو أن يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فإن قال قائل: ما الحكمة في وجود التشابه الخاص؟الحكمة في ذلك هو الامتحان والابتلاء ليعلم الله عز وجل مَنْ في قلبه زَيْغٌ ومَنْ ليس في قلبه زَيْغٌ؛ لأن من في قلبه زيغ يتبع المتشابه ليضرب كلام الله بعضه ببعض، وأما الذي أعطاه الله الرسوخ بالعلم فإنه يعرف كيف يتخرج من هذا المتشابه، وضربنا لهذا أمثلة.الطالب: مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا حين يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩]، ويقول في موضع آخر وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، ومثاله فيما يتعلق برسول الله أن يتوهم واهم من قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين [يونس: ٩٤] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا فيما أُنزل إليه.الشيخ: نعم، هذا تشابه فيما يتعلق بالله، وفيما يتعلق بكتاب الله وفيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم.أما الأول: فيما يتعلق بالله عز وجل أن يتوهم واهم من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أنهما تُشْبِهان أيدي المخلوقين، وكيف يبني هذا الوهم، يقول: إن الله خاطبنا في القرآن بما نعلم، ونحن لا نعلم يدًا إلا مثل أيدي المخلوقين، وهذا يقتضي أن تكون يد الله مشابهة لأيدي المخلوقين.مثاله فيما يتعلق بكتاب الله يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] ويقول: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه [النساء: ٧٨]، ففي الآية الأولى يقول: إن إِصَابَةَ السيئة من نفسك، وفي الثانية يقول: إن إصابتهم السيئة من عند الله، وهذا تناقض، كيف تكون إصابة السيئة مرة من عند الله ومرة من عند أنفسهم؟ فيقول: هذا تناقض، وكذلك مثلها في الآيات، وقد ألف الشيخ الشنقيطي رحمه الله كتابًا سماه: (دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب).أما مثاله فيما يتعلق برسول الله فهو قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين [يونس: ٩٤] وجه التشابه أن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا؛ ولهذا أحاله على الذين يقرءون الكتاب من قبله ثم قال: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِيننعم.

الطالب: موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه؛ إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وقال في الراسخين في العلم: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؛ فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المتشابهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به فيَضِلُّون ويُضَلُّون، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حَقٌّ وليس فيه اختلاف ولا تناقض؛ لأنه من عند الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وما جاء مشتبهًا ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا.ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].الشيخ: إذن هذه الآية من المشتبه، وانقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:قسم قالوا: هي مماثلة لأيدي المخلوقين، وعِلَّتُهم في ذلك أيش؟ أن الله خاطبنا بما نعلم ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد، وهؤلاء هم المُمَثِّلَة.والثاني قالوا: إن ظاهر الآية التمثيل؛ ولهذا يجب أن نصرفها عن ظاهرها إلى أمر معنوي، ونقول: اليد بمعنى النعمة، أو بمعنى القدرة.القسم الثالث من الناس في هذه الآية قالوا: نثبت لله تعالى يدين حقيقيتين لا تماثلان أيدي المخلوقين، أما إثبات اليدين؛ فلأن الله أثبتهما لنفسه، وهو أعلم بنفسه منا، وأما كونهما لا تماثلان أيدي المخلوقين؛ فلأن الله تعالى قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، هذا دليل سمعي.دليل عقلي: إذا كان لله ذات لا تشبه ذوات المخلوقين فليكن له صفات لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الصفات تابعة للذات، وكلنا يعرف أن اليد المضافة إلى الجَمَل ليست كاليد المضافة إلى الأرنب مثلًا، بمجرد ما يقول الإنسان: يد أرنب يعرف أنها يد صغيرة تليق بالأرنب، أو يقول: يد جمل يعرف أنها يد كبيرة تليق بالجمل؛ فصفات كل شيء تناسبه، فإذا كنت أيها المعطل تثبت أن لله ذاتًا؛ لأنه لو أنكر أن يكون لله ذات لكفر، لأن هذا جحد مطلق، لكن يقول: لله ذات، هل تقول: إنها تماثل ذوات المخلوقين؟ سيقول: لا، إذن أثبت صفات لا تماثل صفات المخلوقين؛ لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات، وهذا قياس واضح.الطالب: ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سَبَبُها التفضل من الله تعالى على عباده، أما السيئة فسَبَبُها فعل العبد كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠] فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مُقَدِّره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لانفكاك الجهة.الشيخ: إذن إضافة السيئة إلى الإنسان إضافة شيء إلى السبب، وإضافتها إلى الله إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبينهما فرق، وإذا انفكت الجهة زال التعارض؛ لأن التعارض إنما يكون فيما إذا ورد الشيئان على شيء واحد، أما مع انفكاك الجهة فلا تعارض، وأظن هذا واضح يا إخواني، لكن أهل الباطل يتخذون من مثل ذلك وسيلة إلى الطعن في القرآن.الطالب: ويقولون في المثال الثالث..الشيخ: فيه أيضًا آية أخرى يقول الله تعالى عن المكذبين: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، وفي آية أخرى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين [الأنعام: ٢٣] ففي الآية الأولى نفى أن يكتموا الله، وفي الثانية أثبت أنهم يكتمون، فيأتي إنسان ويقول: هذا القرآن يتناقض، القرآن يقول: وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] ويقول: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] هذا تناقض، لكن الراسخين في العلم يجيبون عن هذا، يقول مثلًا: يوم القيامة هل هو ساعة؟الجواب: يوم، شهر، سنة، مئة سنة، خمسون ألف سنة، تتغير الأحوال، مرة يكتمون ومرة لا يكتمون، مرة تكون الوجوه سودًا ومرة تكون زرقًا، أو يحمل على أن الأزرق شديد الزرقة يميل إلى السواد، فيصح أن يكون أسود أو أن يُوصَف بأنه أسود بهذا الاعتبار، والمهم أن الإنسان أنه يُفِرِّق بين إنسان يأتي بمثل هذه المتشابهات من أجل أن يطعن فيها بتناقض بعضها البعض، وبين إنسان تمر عليه ويحاول أن يجمع بينها، فإن الأول لا يُفتَح عليه ولا يُوَفَّق للجَمْعِ، والثاني هو الذي يُوَفَّق، ونظير هذا ما يطنطن به بعض الطلبة، تجده بمجرد ما يشتبه عليه حديثان يأتي بهما على وجه التماس التعارض، ولو أنه فكر قليلًا لعرف أنه لا تعارض، وهذا يَرِدُ كثيرًا من بعض الطلاب يُحِب الإغراب في الشيء، بمجرد ما يتوهم أن هناك تعارضًا بين حديثين أو آيتين يأتي بهما ويقول: كيف كذا، وكيف كذا؟ ما الجمع بين كذا وكذا؟ مع أنه لو تأمل أقل تأمل لعرف أنه لا تناقض.الطالب: ويقولون في المثال الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقَعْ منه شك فيما أُنزل إليه، بل هو أعلم الناس به وأقواهم يقينًا كما قال الله تعالى في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهالآية [يونس: ١٠٤]، المعنى: إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه؛ ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم، وأعبد الله، ولا يلزم من قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ [يونس: ٩٤]..الشيخ: أفهمتم الآن هذه الآية من أصعب ما يكون إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] فيقول: هذا الرسول عليه الصلاة والسلام يشك، نقول: لم يقل الله ذلك عن شك في رسوله، وكيف يكون ذلك وهو قد قال في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم [يونس: ١٠٤]، والمعنى: إن كنتم في شك فأنا على يقين، فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أَعْبُد الله الذي يتوفاكم.الطالب: ولا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَأن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه، ألا ترى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله تعالى أو حاصلًا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٢، ٩٣] ولا يلزم..

الطالب: والترجمة نوعان؛ أحدهما ترجمة حرفية؛ وذلك بأن يوضع ترجمة كلِّ كلمة بإزائها، الثاني: ترجمة معنوية أو تفسيرية؛ وذلك بأن يُعبَّر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة المفردات والترتيب، مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] فالترجمة الحرفية أن يُترجِم كلمات هذه الآية كلمة كلمة، فيُترجم: (إنا)، ثم (جعلناه)، ثم (قرآنًا)، ثم (عربيًّا)، وهكذا، والترجمة المعنوية أن يُترجم معنى الآية كلها بقطع النظر عن معنى كل كلمة وترتيبها وهي قريبة من معنى التفسير الإجمالي.
الشيخ: طيب، إذن الترجمة تنقسم إلى قسمين حرفية، ومعنوية؛ الحرفية: أن تُذكر ترجمة كل حرف بإزائه، فيُقال: مثلًا (جاء) أي كذا، (جاء) عَبِّر عن (جاء) باللغة الإنجليزية.
طالب: came.
الشيخ: game؟
الطالب: came.
الشيخ: (جاء) أي: (came)، ما تغيرت الظاهر، (العلم نافع) من يعرف لغة غير عربية؟
طالب: اللغة التركية.
الشيخ: تركية؟ أعطني إياها (العلم النافع).
الطالب: (...).
الشيخ: (...) (فايدة العلم) قريب من اللغة العربية، سبحان الله!
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، نافع بمعنى فائدة، إي نعم.
على كل حال، الترجمة الحرفية أن تكتب كلمة بعدها معناها في اللغة الأخرى، هذه ترجمة حرفية، يُراعى فيها الترتيب.
الترجمة المعنوية أن تفهم معنى ثم تعبر عنه باللغة الثانية بقطع النظر عن مراعاة الترتيب، أو شرح كل كلمة وحدها، أفهمتم؟
الآن بعد أن عرفنا الفرق بين الترجمتين، ما حكم ترجمة القرآن؟ هل يجوز أن نترجم القرآن ترجمة حرفية أو أن نترجمه ترجمة معنوية، هنا يكون الجواب، حكم..

***

حكم ترجمة القرآن
00:03:16

الطالب:
حكم ترجمة القرآن:
الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم؛ وذلك لأنه يُشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها وهي:
أ– وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها.
ب– وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساويةٍ أو مشابهةٍ للأدوات في اللغة المترجم منها.
جـ- تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات، وقال بعض العلماء..

الشيخ: طيب، الآن الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن مستحيلة، لماذا؟ لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها، وهي:
(وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها)، وهذا قد يتعذر؛ لأنه يوجد في بعض اللغات حروف ساقطة، فالحروف في اللغة العربية كم؟ ثمانية وعشرون، ومنها الضاد، الضاد لا توجد في اللغات الأخرى؛ ولهذا يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ» ، وهذا الحديث ليس بصحيح، لكن قصدي أن الذين ينطقون بالضاد هم العرب، وإذا كان كذلك فكيف يمكن الترجمة الحرفية؟ وهي في بعض اللغات غير موجودة.
الثاني: (وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها) وهذه أيضًا قد تكون متعذرة، أدوات المعاني ما هي؟
مثل: أداة الاستفهام، أداة النفي، أداة التوكيد، وما أشبه ذلك، هذه أدوات المعاني، هل هذه الأدوات توجد في اللغة الأخرى مساوية أو مشابهة لما في اللغة العربية؟
قد يُقال: نعم، وقد يُقال: لا، ما توجد، وإذا كان كذلك فكيف تمكن الترجمة الحرفية؛ وهي أن تكون الكلمة إلى جانب الكلمة الأخرى؟!
ثالثًا: (تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات) وهذا أيضًا لا يمكن (حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات) الآن المعروف في اللغة العربية أن الخبر متأخر عن أيش؟ عن المبتدأ، وفي اللغات الأخرى مقدَّم، المضاف والمضاف إليه في اللغة العربية المقدم المضاف، وفي غيرها المضاف إليه؛ ولهذا يقولون: جاز خانة، يعني: خانة جاز لكن يقدمون، كذلك في الجمل تختلف، الحركات الآن، حركات اللغة العربية صفة في الحرف، وفي غير العربية حرف مستقل.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: في هذا الكتاب (...) التفسير، ترتيب الكلمات توقيفية على الصحيح؟
الشيخ: إي، في القرآن.
الطالب: في القرآن إي.
الشيخ: نعم.
الطالب: فعلى هذا مثلًا إذا قدَّم المصلي كلمة على كلمة، هل تبطل صلاته؟
الشيخ: إذا كان عن غير قصد فإنها لا تبطل، وإن كان عن قصد بطلت.
طالب: أحسن الله إليك، إذا وجد المضطر شاة ميتة وشاة مذكاة لغير وجه الله، هل على غير (...) ولا شيء (...) في اعتقادهم الباطل ماذا يكون؟
الشيخ: كلاهما ميتة.
الطالب: ولكن (...) الميتة.
الشيخ: فيَنْظُر، أقول: فيَنْظُر إذا كان أحدهما أكثر ضررًا أو إذا كانت إحداهما أكثر ضررًا فليتجنبها.
الطالب: (...) يا شيخ المقصود (...) المذكِّي أراد غير وجه الله (...) يذكي (...).
الشيخ: أقول -بارك الله فيك-: ينظر لما هو أقل ضررًا، والغالب أن التي ذُبحت لغير الله أقل ضررًا؛ لأن الدم قد خرج منها، وذيك يمكن صار بها ميكروبات سيئة.
الطالب: المقصود يعني: ما يحل الأكل منها؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه يذَكِّيها لغير وجه الله؛ إن مقصده شين شرك؟
الشيخ: لكن إذا اضطر، الآن هو مضطر، فهل يأكل الميتة الجيفة المنتنة أو يأكل هذه التي ذبحت أخيرًا حتى إنها باقية حارة، المهم إنه يأخذ بأقلهما ضررًا (...).

***

طالب: (...) ابن كثير.
الشيخ: نعم.
الطالب: والإمام نافع في مصر.
الشيخ: ثلاثة أقسام..
الطالب: الصنف التاني وهو ما اختلف معنى ولفظًا، لكن الآية تحتمل المعنيين؛ ففي قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي [الأعراف: ١٧٥] إلى آخر الآيات (الذي) من الأسماء الموصولة (...) وهي من المختصات يعني تدل على واحد معين، فاختلاف التفسير يعني ليس من اختصاص (...) اختصاص؟
الشيخ: نقول: (الذي) اسم موصول، كل اسم موصول فهو للعموم ولو كان مفردًا قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] وهذا جمع فاسم الموصول وإن كان مفردًا فهو للعموم، ولكنه مبهم ما هو معين، فمن الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها؟ أحد يقول: فلان، وواحد يقول: فلان، وواحد يقول: فلان، نقول: هذا الاختلاف على سبيل التمثيل، لأنه لا يتنافى فالآية (...).
طالب: الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم نبأ واحدًا معروفًا..
الشيخ: لا، التعيين في الغالب ليس مرادًا لا في الأحاديث ولا في الآيات، المهم المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات فيها وصف يقول المفسرون هو لفلان كقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٧ - ١٩] كثير من المفسرين قالوا: المراد بذلك أبو بكر، لكن نقول: لا، أبو بكر أول من يدخل في هذا لا شك من الصحابة لكن هي عامة.
طالب: عندنا جماعة في تركيا كلهم قرآنيُّون، هم يتركون السُّنَّة ويأخذون القرآن بس، ويقصون (...) باللغة العربية مثلًا صلاة (...) ولا يصلون، لكن عندهم صلاة (...) ويدعون الله في أي وقت يريدونه.
الشيخ: ومن شذَّ شَذَّ؟
طالب: في النار.
الطالب: هل هؤلاء يَكْفُرون بهذا أم لجهلهم (...)؟
الشيخ: يكفرون لا شك؛ لأن هؤلاء جحدوا وجوب الصلاة، قالوا: المراد بالصلاة الدعاء، وهذا خلاف إجماع المسلمين، كل المسلمون يَرَوْن أن قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣] حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨] المراد بها الصلوات الخمس، ثم كونهم قرآنيون ما يَصْدُقون في ذلك، لأن القرآن يأمرنا أن نُصَدِّق الرسول ونعمل بقوله، ونتأسى بفعله.
الطالب: يقولون في السُّنَّة (...) كثيرة ما نستطيع أن نميز بين هذا وهذا، ويطلقون على أنفسهم..
الشيخ: حينئذ نادَوا على أنفسهم بالجهل، وإذا كانوا جاهلين يتعلموا، المهم أن هذا من سُبُل الشيطان، والعياذ بالله.

***

الشيخ: (...) في التفسير بارك الله فيك.
الطالب: وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تَحَقُّقُها في بعض آية أو نحوها، ولكنها -وإن أمكن تحققها في نحو ذلك- محرمة؛ لأنه لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية.
الشيخ: إذن الترجمة الحرفية مُحَرَّمة، هذا إذا قلنا: بإمكانها، لكن على القول الأول اللي عليه الجمهور يقولون: إنه لا يمكن الترجمة الحرفية، وذكرنا التعليلات، لكن من العلماء مَنْ يقول: يمكن الترجمة الحرفية في بعض آية أو نحوها، ولكن نقول: هي محرَّمة، ولو أمكن جملة معترضة، ما نزيد، كما في بعض (...) أقول يقول: إنه لا يمكن؛ لأنه تَحْرُم الترجمة الحرفية، لماذا؟
لعِلَلٍ؛ أولاً: (لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله) وهذا صحيح لا من جهة التقديم والتأخير، ولا من جهة حروف المعاني والتوكيد ولا من جهة الإضافات والتقديم والتأخير.
(ولا أن تؤثر في النفوس كتأثير القرآن العربي المبين) صحيح، هذه علة ثانية، والقرآن إنما نَزَل واعظًا للقلوب؛ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء [يونس: ٥٧] أيش؟ لِمَا فِي الصُّدُورِ.
(ولأنه لا ضرورة تدعو إليها، لماذا؟ للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية) فلأجل هذه العلل الثلاث صارت الترجمة الحرفية -إن أمكنت- صارت حرامًا.
الطالب: وعلى هذا فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسًّا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعًا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها من غير أن يترجم التركيب كله فلا بأس.
الشيخ: صحيح، يعني: مثلًا لو كلمة غريبة ترجمها لإنسان كلمة واحدة فقط دون مراعاة التركيب فهذا ضرورة ولا بأس به، كما لو كانت كلمة عربية تخاطب بها إنسانًا عربيًّا، لكن لا يعرف معناها تقول: معناها كذا وكذا.
الطالب: وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محذور فيها وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية؛ لأن إبلاغ ذلك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الشيخ: إذن الترجمة المعنوية للقرآن الكريم حكمها في الأصل؟
طلبة: الجواز.
الشيخ: أجيبوا، يا جماعة.
الطلبة: الجواز.
الشيخ: جائزة، حكمها في الأصل جائزة، لكن إن توقف إبلاغ الشريعة عليها صارت الترجمة واجبة؛ لأن إبلاغ القرآن واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبناء على ذلك نقول: ترجمة الخطبة يوم الجمعة واجبة؛ لأن غير الناطقين باللغة العربية لا يدرون ماذا يقول أبدًا، إن كان الخطيب حيًّا ينفعل ويتحرك وكأنه منذر جيش يقول: صَبَّحَكُم ومَسَّاكُم فهم ينفعلون بناء على أنه -أي الخطيب- انفعل وإذا كان يقرأ هكذا هذًّا فإنهم لن يستفيدوا إطلاقًا، واضح يا جماعة، إذن نقول: إذا كان يتوقف على الترجمة إبلاغ الشريعة كانت الترجمة واجبة، لماذا؟ لأن إبلاغ الشريعة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الطالب: لكن يشترط لجواز ذلك شروط:
الأول: ألا تُجعل بديلاً عن القرآن بحيث يُستغنى بها عنه، وعلى هذا فلا بد أن يُكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة لتكون كالتفسير له.
الثاني: أن يكون المترجِم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق.
الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن، ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه.

الشيخ: الترجمة المعنوية تجوز بهذه الشروط، ثلاثة:
(الشرط الأول: ألا تُجعل بديلاً عن القرآن) بحيث يُكتب القرآن كله بالترجمة المعنوية ولا يقرأ القرآن، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه لا بد من قراءة القرآن، وعلى هذا فأفضل سبيل في ذلك أن نجعل القرآن باللغة العربية في صفحة والترجمة في صفحة، أو في نصف صفحة والترجمة في نصف صفحة حتى لا يُفقد القرآن الكريم من المصحف.
(ثانيًا: أن يكون المترجم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها وما تقتضيه) –أي: الألفاظ- (حسب السياق)، وهذا أمر لا بد منه أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ في لغته وبمدلولات الألفاظ في لغة القرآن؛ حتى يتمكن من التعبير عن هذه بهذه، وأما إذا كان ليس قويًّا فلا يحل أن تترجم ولا يؤمن أن تترجم.
(الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن)، عالم بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن؛ يعني معنى الصلاة الزكاة الصيام الحج الغيبة وهكذا، فإن لم يكن عالمًا بذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه ربما يُفَسِّرها بمقتضى اللغة العربية دون الحقيقة الشرعية كمن فَسَّر قوله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] قال: هُنَّبنطلون، يصلح هذا؟!
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يصلح هذا، لكن على كل حال لا بد من أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ في اللغتين المترجم منها والمترجم إليها.
وهناك شرط رابع لا بد منه وهو أن يكون موثوقًا، لكن هذا لا يعود إلى الترجمة، ولذلك قلنا: ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمونٍ عليها.
فالشروط الثلاثة الأولى لحكم الترجمة إذا أراد الإنسان أن يترجمها إن ترجم القرآن، لكن هل نقبل الترجمة من كل مَنْ ترجم القرآن وقال: إني ترجمته؟ لا، لا بد أن يكون مأمونًا أي: ذا عقيدة سليمة نأمن منه أن يحرف القرآن على عقيدته، فإن لم يكن مأمونًا فإنه لا يجوز أن نعتمد على ترجمته.
وإني أذكر لكم قصة وقعت عليَّ، نعم، لتأخذوا منها عبرة؛ كنا نحدِّث الناس في المطار في أيام الحج في مسجد المطار، ونتكلم باللغة العربية، وجاءني رجل شيخ محترم في هندامه وشكله، وقال: أنا أترجم لك -وكان أكثر الذين عندنا نيجيريين- قال: أنا أترجم لك، فأعجبني شكله هندامه، وإنه يعني رجل..، شيخ: جزاك الله خيرًا، بدأ يترجم لي وكان الصوت يخرج من المنار في أثناء الترجمة، وأنا أقرأ وهذا يلاحقني دخل علينا رجل قال: هذا الذي يترجم لك تراه ضد كلامك، إذا قلت: هذا توحيد قال: هذا شرك، وإذا قلت: هذا واجب قال: هذا حرام، مشكلة، خَلَّى الترجمة (...) -سبحان الله العظيم- نروح من الحية لحية ثانية! إلا بطلنا، ما نتكلم إلا بالعربية، من فَهِم فليفهم، ومن لم يفهم فلا علينا منه، حقيقة مشكل الائتمان والثقة لا بد منها، والعلم بمدلولات الألفاظ لا بد منه.
لو أن إنسان يريد أن يترجم لك في العقيدة وهو لا يعرف، عنده علم غزير في الفقه لكن ما يعرف علم العقيدة هل هو مأمون؟ ليس بمأمون، وإن كان حسن النية؛ لأنه ما يعرف، في العقيدة ألفاظ واصطلاحات لا توجد في الفقه وكذلك بالعكس، فالمسألة خطيرة، ولهذا تجد أحيانًا التفسير المترجم في القرآن يعني يشرف عليه عدة من العلماء، وإذا تداوله الناس وجدوا أخطاء؛ أخطاء مهمة، كل هذا ناتج عن إما عدم الأمانة وإما عدم المعرفة.
طالب: إذا أشرف على هذه الترجمة نصارى، هل نتركهم يترجمون؟
الشيخ: لا إذا كان في العقيدة ما نتركهم.
الطالب: (...) يترجم النصارى ديننا.
الشيخ: إي ما يخالف، يترجم الصلاة، يترجم الزكاة الأخلاق الآداب، أما أن يترجم العقيدة، ثم ينقل هذا النصراني إلى إسلام محرف ما يصير، لكن نقول: لا بأس في الصلاة، وفي الزكاة وفي الصيام لا مانع.
طالب: شيخ في إلقاء المحاضرة، الواحد يلقي محاضرة أو خطبة؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: إلقاء محاضرة أو خطبة هل يقرأ أول باللغة العربية ثم يترجم فقط (...) باللغة (...) اللغة لغة أخرى، هل يجب عليه في الخطبة أو في المحاضرة (...) لغة أخرى.
الشيخ: يعني: هو يتكلم في قوم لا يعرفون لغته؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الفائدة إذا لم يترجم لهم.
الطالب: الأول يقرأ باللغة العربية القرآن؟
الشيخ: لا، لا حاجة ما دام ما في عرب، ما حاجة يتكلم الخطبة باللغة اللي هي لغة القوم لكن إذا جاءت الآيات قرأها بالعربية.
طالب: (...) استفتاح الخطبة، نستفتح بـ(إن الحمد لله)؟
الشيخ: لا، ما هو لازم، إن الحمد لله بلغة المخاطبين.
طالب: هنا في تفسير الآية، عاصٍ بسفره، لماذا قَيَّد العِصيان بالسفر؟
الشيخ: إي، العادي هو العاصي بسفره ولّا في سفره؟
الطالب: لا بسفره.
الشيخ: والفرق؟ هذا الذي تسأل عنه الآن؟
الطالب: لماذا قيد العصيان بالسفر؟
الشيخ: يعني معناه أن سفره..
الطالب: العصيان غير السفر.
الشيخ: لا، عاص بسفره يعني: أن سفره محرم، وليس المعنى عاص في سفره، ولهذا نقول: العاصي بسفره لا يقصر، والعاصي في سفره يقصر، فهمت، فمثلًا الذي سافر إلى مكة للعمرة، لكنه في أثناء السفر ارتبك محرمًا، هذا عاص في سفره أو عاص بسفره؟
الطالب: في سفره.
الشيخ: في سفره، والذاهب إلى بلاد خربة يريد أن يخرب هناك هذا عاص بسفره.
طالب: شيخ في قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] فَسَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي، هل يجوز أن يفسر غير الرمي مثل أسلحة (...)؟
الشيخ: لا، مراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُبَيِّن القوة الأكمل، يعني: أن الرمي أكمل من السلاح الأبيض كما يقولون؛ لأن الرمي يقذف بقذيفة على عدوه وهو بعيد عنه؛ فلهذا فَسَّر الرسول عليه الصلاة والسلام القوة أي: أكمل القوة هو الرمي.
طالب: ذكرتم أن الحكمة من إنزال القرآن الكريم تدبر آياته والاتعاظ بما فيه، فهل يلزم من هذا أن تكون حتى آيات الأحكام يجب على المسلم أن يتعظ بما فيها؟ أو يكون فيها موعظة مثل يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] كيف يكون وجه الموعظة؟
الشيخ: الموعظة بارك الله فيك، ما هو معناها لين القلب أو خشوع القلب أو ما أشبه ذلك، الاتعاظ: التزام الأحكام؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه [النساء: ٥٨] فجعل هذه موعظة، فالتزام الأحكام اتعاظ لا شك؛ يعني: ليس الموعظة يُقصد بها ما يرقق القلب فقط.
طالب: شيخ بالأمس أو قبله لما أفتينا يعني بحرمة رطانة لغة غير المسلمين، شيخ بعضهم يعني لعله كثير يعني يتقن خمس لغات تقريبًا يكتب بها.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الإنسان أحيانًا يتعلم لغات غير لغته مختلفة، أربع، خمس، بيتقنها ويتكلم بها ويكتبها هذا لكي يدعو، وأحيانًا يعني ييجي يقول للناس أيضًا: لا يجوز، هذا فيه بأس؟ يتعلمها من غير حاجة؟
الشيخ: هذا -بارك الله فيك- التعليم غير (...) يجعل اللغة الأجنبية محل اللغة العربية ما يصير.
الطالب: شيخ أحيانًا يعني يتعود إنه أيش يتكلم عليها..
الشيخ: المهم هذا لو غرضه صحيح، كونه مثلًا يتخاطب مع زملائه بلغة أخرى للتعلم لا بأس به.
طالب: القرآن المترجم يأخذ حكم القرآن الأصلي؟
الشيخ: لا، القرآن المترجم لا يأخذ حكم القرآن غير المترجم، فيجوز مَسُّه بغير وضوء، ويجوز بيعه وشراؤه إلى آخره.
الطالب: إذا وُجد الأصل؟
الشيخ: لا، إذا وُجد الأصل يُنظَر أيهما أكثر، فالحكم للأكثر.
طالب: قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِير [البقرة: ١٧٣] قلنا: إن هذه الآية فسرتها آية فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة: ٣].
الشيخ: نعم.
الطالب: لماذا يفسِّرها الصحابة وقد فسرت في القرآن؟
الشيخ: نعم، بماذا فسروها؟
الطالب: فسروها قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكلها.
الشيخ: زين، وبعدها.
الطالب: وقيل: غير خارج عن الإيمان ولا عاص بسببه.
الشيخ: هذا تفسير الصحابة؟
الطالب: فقيه؟
الشيخ: نعم، فقيه ما هو من الصحابة؛ ولهذا لم يرد عن الصحابة إلا تفسيرها بالمعنى الأول.
طالب: معنى (متتابع)؟
الشيخ: يعني: معنى ذلك: يتابع تباعًا، يعني: ما نعطيك كأس ولا مِنَّك شربته وتوالي الثاني، نقول: اصبر بعد ساعتين تجيبها تاني على طول، هذه متتابعة، فهمتها الآن؟

***

المشتهرون بالتفسير من الصحابة
00:31:40

الطالب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير:
المشتهرون بالتفسير من الصحابة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم قبل أن نبدأ في الدرس الليلة نسأل: ما معنى الترجمة؟
طالب: الترجمة هي نقل الكلام..
الشيخ: إلى؟
الطالب: من لغة إلى لغة أخرى.
الشيخ: نقل الكلام من لغة إلى لغة.
طالب: قلنا: الأصل التعبير (...) الكلام إلى لغة (...).
الشيخ: التعبير عن معنى الكلام إلى لغة أخرى، وهو أحسن من نقل.
ترجمة القرآن حكمها؟
طالب: حكمها تفصيلي؛ يجوز..
الشيخ: فيه تفصيل؟ فصِّل.
الطالب: إذا كان حرفيًّا فلا يجوز.
الشيخ: فلا يجوز، أحسنت.
الطالب: وإذا كان معنى إجماليًّا يجوز؛ يعني إذا كان..
الشيخ: إذا كان حرفيًّا لا يجوز، لماذا علِّل؟
الطالب: لأنه أولا فيه شروط لا يمكن وجودها فتحتاج إلى أن يوجد لغة أخرى تطابق العربية نفس الحروف والكلمات وأشياء لا يمكن.
الشيخ: يعني: لاختلاف الترتيب بين اللغة العربية وغيرها، والاختصاصات كحروف المعاني وغيرها، فالترجمة الحرفية غير ممكنة لكن على تقدير أنها ممكنة فهي محرمة؛ لأنها تنقل القرآن إلى لغة أخرى إلى غير ما تكلم الله به، هل يشمل ذلك إذا أردنا أن نترجم كلمة واحدة لمن لا يفهمها؟
طالب: قلنا: إن الكلمة الواحدة لا تدخل في هذا التحريم، كما لو فسَّر إنسان كلمة في القرآن بالعربية لمن لا يفهم هذه الكلمة.
الشيخ: إذن ترجمة كلمة واحدة لا تدخل في هذا الموضوع؛ لأنها تُشْبِه التفسير كأنه بَيَّن له معنى هذه الكلمة. المعنوية ما حكمها؟
طالب: حكمها جائزة، وإذا كان الشيء واجبًا وكان الشيء الذي يترجم إليه..
الشيخ: إذا كان يتوقف عليها بيان الشرع فهي واجبة، إذن هي في الأصل؟
الطالب: جائزة.
الشيخ: نعم، وإذا كان يتوقف عليها إبلاغ الشرع فهي؟
الطالب: واجبة.
الشيخ: يشترط شيء؟
طالب: نعم، يشترط شروط؛ يشترط أربعة شروط.
الشيخ: أو ثلاثة.
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: الأول؟
طالب:الشرط الأول: أن يكون المترجِم عالمًا باللغتين، والشرط الثاني..
الشيخ: اصبر عالمًا باللغتين يعني بمدلولات الألفاظ في اللغة المترجم منها وإليها، هذا واحد.
طالب: ألا يكون هذا المترجَم بديلًا عن القرآن.
الشيخ: تمام، ألا يُجْعَل بديلًا عن القرآن؛ بحيث يترك القرآن ويأخذ هذا المترجَم ويتلوه آناء الليل والنهار، فهذا لا يجوز.
طالب آخر: أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ الشرعية في القرآن.
الشيخ: ما هو قالها؟
طالب: عالمًا باللغتين؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الثالث: أن يكون عالمًا بالألفاظ الشرعية.
الشيخ: طيب، بمعنى الألفاظ الشرعية في القرآن حتى لا يُفَسِّره بغير ما أراد الله.
طالب: الرابع أن يكون مأمونًا ثقة.
الشيخ: لا، هذه الشروط الثلاثة للترجمة، لكن متى يُقبل؟ نقول: هذا شرط للقبول، أن يكون المترجم مأمونًا، فلا نقبل ترجمة من إنسان غير مأمون؛ لأننا لا نثق به.
علاقة الترجمة بالتفسير أظنها واضحة؛ لأن الترجمة في الحقيقة هي تفسير للمعاني.

***

الطالب: المشتهرون بالتفسير من الصحابة
اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة ذكر السيوطي منهم: الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالِمين بالتفسير.
ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضًا: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين رضي الله عنهم.

الشيخ: الصحابة رضي الله عنهم لا شك أنهم أعلم الناس بتفسير كلام الله، لكن اشتهر منهم أناس كالخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولكن النقل عن الثلاثة الأوَّلين قليلٌ؛ لأنهم مشتغلون بالخلافة؛ ولأن الناس ليس عندهم جهل كثير في معاني القرآن فليسوا بحاجة إلى أن يفسِّروه.
ومن المشتهرين أيضًا عبدُ الله بن مسعود وعبدُ الله بن عباس، فذكرنا الآن كم؟ ستة، الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس، كيف سبعة؟!
طالب: ستة.
الشيخ: نعم.
على بن أبي طالب
00:37:57

الطالب:
أولًا: علي بن أبي طالب هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو زوج ابنته فاطمة رضي الله عنها.
الشيخ: لماذا اخترنا علي بن أبي طالب على بقية الثلاثة؟ لأن النقل عنه كثير.
الطالب: وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم، وكنيته أبو الحسن وأبو تُراب، ولد قبل بعثة..
الشيخ: أما كونه أول من آمن به مِن قَرابته هذا هو الصواب، أول من آمن به من قرابته هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وليس هو الأول على الإطلاق، بل الأول على الإطلاق هو أبو بكر، بل قبل أبي بكر ورقةُ بن نوفل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصَّ على ورقة ما رآه من الوحي آمن به، وقال: ليتني كنت فيها جذعًا، ليتني معك إذ يخرجك قومك، فأقر واعترف، لكن ذلك قبل الرسالة، فلهذا نقول: أول من آمن بنبوته من الرجال هو ورقةُ بن نوفل، لكن هل هو صحابي، أو لا؟ هو آمن قبل الرسالة، فإذا قلنا: إن من آمن به نبيًّا فهو صحابيٌّ صار صحابيًّا، وإن قلنا: لا يكون صحابيًّا إلا حيث توجه إليه الدعوة وذلك بعد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من الصحابة، لكن أول من آمن به من الرجال بعد الرسالة هو أبو بكر، كما أقر بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أما من قَرابة الرسول فأولُ مَن آمن به علي بن أبي طالب.
كنيته: أبو الحسن؛ لأن أكبر أولاده الحسن، أبو تُراب؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كَنَّاه بذلك حين رآه نائمًا في المسجد، وقد انفصل رداؤه وعَلِقَ الترابُ بجنبه من عَرَقِه قال: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ» فكُنِّيَ بذلك، وكان أحب الكُنْيَتَيْن إليه.
الطالب: وُلد قبل بَعْثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحبَ اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خَلَّفَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال له: «أَمَا تَرضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، نُقل له من المناقب..
الشيخ: لأن موسى قال لأخيه هارون اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: ١٤٢]، والرسول عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «اخْلُفْنِي فِي أَهْلِي» فكان مثله بمنزلة هارون من موسى في خلافته في أهله، لا في الخلافة المطلقة كما زعمت الرافضة، بل هو بمنزلة هارون من موسى في هذه الخلافة فقط، فإن عليًّا رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أتدعني مع النساء والصبيان؟ فقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، وعلى هذا فهي خلافة مخصوصة مقصورة.
الطالب: نُقل له من المناقب والفضائل ما لم يُنقل لغيره، وهلك به طائفتان؛ النواصب الذين نَصَبُوا له العداوة وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حُبِّه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غِنًى عنه، بل هو عند التأمُّل من المثالب، اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة..
الشيخ: الروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وقولنا: (فيما زعموه)؛ لأن هذا هو الذي يظهرونه، ولكن حقيقة الأمر أنهم يخالفونه في أشياء؛ فهو رضي الله عنه يُعْلِن على منبر الكوفة أن خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، وهم يقولون: لا، ما هو صحيح، هو -رضي الله عنه- ممن روى أحاديث المسح على الخفين، والروافض لا يقبلون هذا، ولا يرون المسح على الخفين؛ لذلك عبر بهذا التعبير (فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غِنًى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب) ومن ذلك أنهم قالوا: إنه رضي الله عنه كان يُصَلِّي فيما بين صلاة المغرب والعشاء ألف ركعة، وعَدُّوا ذلك من من مناقبه.
وقالوا: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة: ٥٥] قالوا: إن هذا علي بن أبي طالب، والحقيقة أن هذا من المثالب، كونه يصلي فيما بين المغرب والعشاء ألف ركعة، كيف تكون القراءة؟ كيف الركوع؟ كيف السجود؟ كيف القيام؟ كيف القعود؟
طالب: نقر.
الشيخ: ولَّا أشد من النقر؟ حركة مروحة السيارة، يعني: شيء عجيب، قال لهم شيخ الإسلام في رده عليهم في المنهاج: إذا قلتم هذا فهذا من أكبر المثالب، وإذا كان الرسول قال للأعرابي: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» هذا أيضًا لم يُصَلِّ، فلا تُقبل صلاته، كذلك أيضًا كونه يؤدي الزكاة وهو راكع، هل هذا منقبة أو مَثْلَبة؟ مثلبة، الزكاة تُؤَدَّى في غير وقت الصلاة، في غير حال الصلاة؛ لأنها لا تفوت، كونه يتحرك ويهيأ له فقير يأتي إليه وهو راكع ثم يعطيه هذا ليس منقبة، فالحاصل أنهم كما قال المؤلف: عَدُّوا من مناقبه ما هو في الواقع من مثالبه، وأكثر ما ذكروا من المناقب هو في غِنًى عنها رضي الله عنه، وله من المناقب ما هو أفضل منها وأعظم.
الطالب: اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والذكاء مع العلم والذكاء؛ حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَتَعَوَّذ من مُعْضِلَةٍ ليس لها أبو حسن، ومن أمثلة النحويين: قضية ولا أبا حسن لها، ورُوي عن علي أنه كان يقول..
الشيخ: وهذا معروف رضي الله عنه بأنه من أذكى الرجال، ومن أعقل الرجال أيضًا، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُعَظِّمُه ويُجِلُّه، ويَتَعَوَّذُ من مُعْضِلَةٍ ليس لها أبو حسن، المعضلة يعني: المسألة المشكلة التي تَعْضُل الإنسان وتقطع تفكيره، يتعوذ من هذه المعضلة إذا لم يكن لها أبو حسن فإن كان لها أبو حسن انحلت، إي نعم، رضي الله عنه.
الطالب: ورُوي عن عَلَيٍّ أنه كان يقول: سلوني سلوني، وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أَنَزَلَتْ بليل أو نهار ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا جاءنا الثَّبْتُ عن عَلِيٍّ لم نعدل به ، ورُوي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب ، كان أحد أهل الشورى الذين رَشَّحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأَبَى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان فبايعه عَلِيٌّ والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قُتل شهيدًا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة رضي الله عنه.
الشيخ: اللَّهُمَّ ارضَ عنه.
عبد الله بن مسعود
00:47:24

الطالب:
ثانيًا: عبد الله بن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عَبْدٍ كان يُنسب إليها أحيانًا، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد..

الشيخ: عندكم في أسفل الحاشية لأن أباه؟
الطالب: نعم، وأمه أم عَبْد كان يُنسب إليها أحيانًا؛ وذلك لأن أباه مات في الجاهلية وأدركت أمه الإسلام فأسلمت، وكان من السابقين الأَوَّلين في الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، تَلَقَّى من النبي صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إِنَّكَ لَغُلَامٌ مُعَلَّمٌ» ، وقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَّا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ، وفي صحيح البخاري أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ . وقال: والله الذي لا إله غيره ما أُنْزِلَتْ سورةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نَزَلَتْ ولا أُنْزِلَتْ آيةٌ من كتابِ الله إلا وأنا أعلم فيمن أُنْزِلَتْ، ولو أَعْلَمُ أحَدًا أعلم مني بكتاب الله تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرِكِبْتُ إِلَيْهِ ، وكان..
الشيخ: هذا الكلام لا شك أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يريد أن يُزَكِّيَ نفسَه به، لأنه أَطْهر من ذلك، لكنه أراد أن يحث الناس على تلقِّي التفسير عنه؛ لأن الناس إذا علموا أنه بهذه المنزلة من العلم أَكَبُّوا عليه وأخذوا منه، وهذا يَقَعُ لمن هو دون ابن مسعود رضي الله عنه، انظر مثلًا إلى ابن مالك في ألفيته يقول أيش؟
يقول:

تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي

هذا ثناء على المؤلف، لكن هل قصده الفخر على ابن معط؟ أو أن يزكي نفسه؟ لا، الذي نعلم من حاله أنه لا يريد هذا وإنما يريد بذلك أن يُقْبِل الناس على هذا النظم ويأخذوا به، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم بالنيات، وكم من كلمة أو فعل صدر من إنسانين بينهما كما بين السماء والأرض.
الطالب: وكان ممن خَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم فكان صاحب نعليه وطهوره ووساده، حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم تأثر به وبهديه حتى قال فيه حذيفة: ما أعرف أحدًا أقرب هديًا وسمتًا ودلًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عَبْد.
الشيخ: نعم، هذا صحيح، حتى إن كلامه رضي الله عنه يشبه كلام النبي عليه الصلاة والسلام واقرأ ما رواه مسلم في كتاب الصلاة: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحافِظْ على هؤلاء الصَّلَوات حَيْثُ يُنادَى بِهِنَّ إلى آخر الأثر، إذا قرأته تقول: هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خالط النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وكما قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إنه بقي زمانًا يظن أن ابن مسعود من آل بيت الرسول.
الطالب: بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمَّارًا أميرًا وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاقتدوا بهما، ثم أمَّره عثمان على الكوفة ثم عزله وأمره بالرجوع إلى المدينة فتُوفي فيها سنة اثنتين وثلاثين ودُفِن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة.
عبد الله بن عباس
00:52:48

ثالثًا: عبد الله بن عباس.
هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، لازم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وضمَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» ، وفي رواية: «الْكِتَابَ» ، وقال له حين وضع له وَضوءه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» فكان بهذا الدعاء المبارك حَبْرَ الأمة في نشر التفسير والفقه حيث وَفَّقَهُ الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه، وبذله، فنال بذلك مكانًا عاليًا حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه، ويأخذ بقوله فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم: ذاكم فتى الكهول، له لسان سَؤول، وقلب عقول ، ثم دعاه ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه، فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمِرْنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فُتح علينا، وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا، قال: فما تقول؟ قال: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُفَتْح مكة فذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ٣] قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لَنِعْمَ تُرْجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد ، أي: ما كان نظيرًا له، هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستًّا وثلاثين سنة فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم.

الشيخ: الله أكبر صحيح، هذا كلام ابن مسعود رضي الله عنه قبل أن يموت ابن عباس بكم؟ بأكثر من ست وثلاثين سنة، (فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم) في تفسير القرآن وغيره؟ هو كثير لا شك.
الطالب: وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم مَنْ بَقِيَ بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال عطاء: ما رَأَيْتُ قَطُّ أكرمَ من مجلس ابن عباس فقهًا وأعظمَ خشيةً، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يُصْدِرُهُمْ كلهم من وادٍ واسع ، وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على المَوْسم -أي: والٍ على موسم الحج من عثمان رضي الله عنه- فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسِّر فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت ، ولَّاه عثمان على موسم الحج.
الشيخ: خطب مرة الناس، خطبهم من صلاة العصر إلى الغروب واستمر حتى حان وقت العشاء، فقام رجل فقال: الصلاة يا ابن عباس، فقال: أَتُعَلِّمُنِي السُّنَّة؟!! لقد جَمَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بين الظُّهْرِ والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر ، وهذا يدل على قدرته وقوته لا سيما إذا كان العصر في أيام الصيف سيكون طويلًا، ومع ذلك استمر رضي الله عنه.

***

الطالب: ولَّاه عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وولاه عَلِيٌّ على البصرة فلما قُتِل مضى إلى الحجاز فأقام في مكة ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمانيةٍ وستِّين عن إحدى وسبعين سنة.
المشتهرون بالتفسير من التابعين
00:57:52

المشتهرون بالتفسير من التابعين:
اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون؛ فمنهم:
أ– أهل مكة وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء ابن أبي رباح.
ب– أهل المدينة وهم أتباع أُبَيِّ بن كعب كزيد بن أسلم وأبي العالية ومحمد بن كعبٍ القُرَظِي.
جـ- أهل الكوفة وهم أتباع ابن مسعود كقتادة وعلقمة والشعبي.
فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة.
مجاهد
00:58:31

أولًا: مجاهد:
هو مُجاهد بن جَبْرٍ المَكِّي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، وُلد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنهما، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرْضَاتٍ من فاتحته إلى خاتمته، أُوَقِّفه عند كل آية وأسأله عنها ، وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فَحَسْبُك به ، واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، وكان كثيرًا ما ينقل عنه في صحيحه، وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، تُوفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة عن ثلاث وثمانين سنة.
قتادة
00:59:32

ثانيًا: قتادة:
هو قتادة بن دِعامَةَ السَّدُوسِي البصري وُلد أَكْمَه أي: أَعْمى سنة إحدى وستين، وَجَدَّ في طلب العلم، وكان له حافظة قويَّة حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أَعِدْ لِي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلب .

الشيخ: أسأل الله أن يجعلكم مثله.
الطلبة: آمين.
الشيخ: أما أنتم ما شاء الله (...) بالله، أما على حالكم؛ يعني: لو حصل إن نردِّد الكلام عشر مرات كان هو المطلوب.
الطالب: نسجل.
الشيخ: إي نسجل صحيح (...) بعض الشيء، الله أكبر، سبحان الله.
الطالب: وذكره الإمام أحمد فَأَطْنَبَ في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قَلَّمَا تجد مَنْ يَتَقَدَّمَه أما المِثْل فلَعَلَّ، وقال: هو أحفظ أهل البصرة.
الشيخ: (قَلَّ مَنْ يَتَقَدَّمَهُ) يعني: من يكون أعظم منه، (أما المَثَل فلعلَّ) ما جزم أنه يوجد له مثيل.
الطالب: وقال: هو أحفظ أهل البصرة لم يسمع شيئًا إلا حَفِظَه، تُوفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة عن ست وخمسين سنة.
الشيخ: صغير، رحمه الله، هو رُمِي بالتدليس في الواقع، لكنهم يقولون: إن روايته بلفظ (عن) عن أنس بن مالك إنها متصلة؛ ولهذا يروي عنه البخاري ومسلم بهذه الصيغة أي بالعنعنة عن أنس.
طالب: مئة يا شيخ، هناك خطأ في الإملاء.
الشيخ: مئة أيش؟
الطالب: خطأ في إملائها الهمزة على نبرة قبل التاء.
الشيخ: مئة صح.
الطالب: لا الإملاء.
الشيخ: مئة، سبع عشر ومئة.
الطالب: إملائها، في الإملاء.
الشيخ: على شكل فئة هذا الصواب،
طالب: في ألف يا شيخ قبل الهمزة؟
الشيخ: لا لا، القاعدة الأخيرة أن مئة على وزن فئة ومائتين فيها ألف.
القرآن محكم ومتشابه
01:02:05

الطالب:
القرآن محكم ومتشابه؛ يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الإحكام العام الذي وُصِفَ به القرآن كله مثل قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤]، ومعنى هذا الإحكام: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عَدْل وحكمة ليس فيها جور ولا تعارض ولا حُكْمَ سَفِيهٍ.
النوع الثاني: التشابه العام الذي وُصِف به القرآن كله مثل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]، ومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه؛ مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]، ومعنى هذا الإحكام: أن يكون معنى الآية واضحًا جليًّا لا خفاء فيه؛ مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: ١٣]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، وقوله: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع [البقرة: ٢٧٥] وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣]، وأمثال ذلك كثيرة، ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مُشْتَبِهًا خَفيًّا بحيث يَتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك مثاله.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الإحكام والتشابه في القرآن هذا على ثلاثة أنواع؛ إحكام عام، وتشابه عام، وإحكام خاص وتشابه خاص، كلُّه وُصِفَ به القرآن؛ قال الله تعالى في وَصْفِ العام: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] فأنت ترى أن القرآن كله وُصِف بالحكمة، وأنه حكيم، و(حكيم) بمعنى: (محكم)، وبمعنى (حاكم)؛ لأن القرآن أداة الحكم، ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فكله محكَم مُتْقَن جيد، في أعلى ما يكون، ولكن هل هو يتفاضل في هذا الباب؟
الجواب: أما من حيث المتكلم به فإنه لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد وهو الله، أما من حيث الأسلوب والمعنى فإنه يتفاضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين سأل أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ: «أَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: آية الكرسيِّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِهِ وقال: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» وقال في الفاتحة: «إِنَّهَا أَعْظَمُ سُورَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ» ، وقال في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ، فالقرآن يتفاضل من هذا الوجه، أما من جهة المتكلم به فلا يتفاضل.
التشابه العام: هو أن القرآن يُشْبِه بعضُه بعضًا في الكمال والجودة والأحكام والإحكام والأخبار وغيرها؛ لقول الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣] ما قال: بعضه متشابه قال: كُلَّه كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ.
طالب: معاني.
الشيخ: كيف؟
الطالب: مكتوب معاني.
الشيخ: مثاني.
الطالب: (...) النسخة.
الشيخ: إي، في النسخة اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِفهو يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والإتقان وغير ذلك؛ ولهذا كان جميع القرآن معجِزًا، وآية منه من أَيِّ سورة معجزة.
أما الثالث: فهو أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟
الإحكام هو الواضح، (المحكَم) يعني الواضح البيِّن الذي لا يحتاج إلى تأمل طويل، ولا يختلف الناس فيه؛ دليله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] يعني: يتتبعون المتشابه ويحصرونه ويوردونه على الناس ليُلَبِّسُوا عليهم دينهم ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب [آل عمران: ٧] فقَسَّم الله تعالى القرآن إلى قسمين؛ لقوله: مِنْهُ آيَاتٌ [آل عمران: ٧] هذه (من) للتبعيض وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧]، فما معنى الإحكام والتشابه هنا؟
الإحكام يعني به: أنه مُحْكَم واضح لا يشتبه على أحد، والمتشابه أنه يخفى على بعض الناس، وبهذا نعرف أنه لا تناقض بين وصف القرآن كله بالإحكام ووصفه كله بالتشابه، ووصف بعضه بالإحكام وبعضه بالتشابه، قال: (ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشْتَبِهًا خَفِيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله) إلى آخره.
طالب: في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] لو قيل: الوصل أولى؛ لأن الراسخون في العلم يعلمون مُتَشابِه الآيات؟
الشيخ: لا، الوصل والفصل يختلف إذا جعلت التأويل بمعنى التفسير فالوصل أولى، وإن جعلت التأويل المآل والعاقبة فالفصل أولى؛ ولهذا ورد عن السلف قراءتان: قراءة الوصل، وقراءة الفصل؛ بناء على معنى التأويل، إن جعلنا معنى التأويل التفسير فالوصل، إن جعلناه معناه ما يؤول إليه الشيء فإن ذلك لا يعلمه إلا الله.

***

طالب: يا شيخ بالنسبة لصحيح مسلم حديث ابن عباس (...) إذا أمكن تكملون شرحه؛ لأن فيه بعض إشكالات وكذا..
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: حديث طويل مع السيدة عائشة رضي الله عنها.
الشيخ: نعم، أيش؟
الطالب: فيه بعض مشكلات يعني.
الشيخ: إي نعم، نحن أجَّلنا صحيح مسلم، أجلناه.
الطالب: جزاك الله خيرًا، يجوز إثبات تاء التأنيث وحذفها في العدد المؤنث نقول مثلًا: يعني ثماني سنة وثمانية وستين؟
الشيخ: ثمان؟
الطالب: نقول: ثمان.
الشيخ: إن قلت: سنة ثمان.
الطالب: في ترجمة ابن عباس وكذلك مكتوبة..
الشيخ: لعلها عام.
الطالب: لا، بعد سنة ثمانية وستين.
الشيخ: ثمان وستين، الصواب: ثمان.
طالب: أحسن الله إليك، يعني: أورد المشتهرون بالتفسير علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس..
الشيخ: نعم.
الطالب: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وابن عباس، هل تفاسيرهم محفوظة، وهل التفاسير التي تنسب إليهم صحيحة؟
الشيخ: لا، هذه على كل حال هي لا أحفظها أو لا أعرف أنها مجموعة إلا ما يُنسب عن ابن عباس رضي الله عنهما مع أنه فيه أشياء ما هي بصحيحة، المقباس من تفسير ابن عباس فيه أشياء غير صحيحة، لكن ابن كثير رحمه الله في تفسيره ينقل عنهم إلا أنه ينقل عنهم بلا سند في الغالب، وابن جرير ينقل عنهم بالسند، لكن ابن جرير لم يمحص في السند، وكأنه رحمه الله أراد أن يجمع الآثار الواردة في التفسير وعَلَى من بعده أن يحقق ويحرر.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى: في كتابه أصول في التفسير في معرض ذكر النوع الثالث من الإحكام والتشابه الوارد في القرآن قال:
ومعنى هذا التشابه أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًّا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك، مثاله فيما يتعلق بالله تعالى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن القرآن وُصِف بأنه كله مُحْكَم، وأنه كله متشابه، وأن منه محكمًا ومتشابهًا؛ فأما الإحكام العام فهو الإتقان والجودة وعدم الكذب في أخباره أو الجور في أحكامه أو التناقض، وأما التشابه العام فهو أن بعض القرآن يشبه بعضًا في الكمال والجودة والبلاغة وغير ذلك من مكملات الكلام.
وأما التشابه الخاص ببعضه، والإحكام الخاص ببعضه، فالإحكام معناه الوضوح بحيث يعرفه كل أحد ولا يخفى على أحد، والتشابه هو الذي يشتبه على بعض الناس ولا يعرفه إلا الراسخون في العلم، ونحن الآن بصدد الكلام على هذا، بصدد الكلام على التشابه، الإحكام الخاص والتشابه الخاص، وسبق الكلام على الإحكام الخاص وأنه واضح مثل السماء والأرض وما أشبه ذلك.
التشابه الخاص: هو أن يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فإن قال قائل: ما الحكمة في وجود التشابه الخاص؟
الحكمة في ذلك هو الامتحان والابتلاء ليعلم الله عز وجل مَنْ في قلبه زَيْغٌ ومَنْ ليس في قلبه زَيْغٌ؛ لأن من في قلبه زيغ يتبع المتشابه ليضرب كلام الله بعضه ببعض، وأما الذي أعطاه الله الرسوخ بالعلم فإنه يعرف كيف يتخرج من هذا المتشابه، وضربنا لهذا أمثلة.
الطالب: مثاله فيما يتعلق بالله تعالى أن يتوهم واهم من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا حين يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩]، ويقول في موضع آخر وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، ومثاله فيما يتعلق برسول الله أن يتوهم واهم من قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين [يونس: ٩٤] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا فيما أُنزل إليه.
الشيخ: نعم، هذا تشابه فيما يتعلق بالله، وفيما يتعلق بكتاب الله وفيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الأول: فيما يتعلق بالله عز وجل أن يتوهم واهم من قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] أنهما تُشْبِهان أيدي المخلوقين، وكيف يبني هذا الوهم، يقول: إن الله خاطبنا في القرآن بما نعلم، ونحن لا نعلم يدًا إلا مثل أيدي المخلوقين، وهذا يقتضي أن تكون يد الله مشابهة لأيدي المخلوقين.
مثاله فيما يتعلق بكتاب الله يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] ويقول: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه [النساء: ٧٨]، ففي الآية الأولى يقول: إن إِصَابَةَ السيئة من نفسك، وفي الثانية يقول: إن إصابتهم السيئة من عند الله، وهذا تناقض، كيف تكون إصابة السيئة مرة من عند الله ومرة من عند أنفسهم؟ فيقول: هذا تناقض، وكذلك مثلها في الآيات، وقد ألف الشيخ الشنقيطي رحمه الله كتابًا سماه: (دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب).
أما مثاله فيما يتعلق برسول الله فهو قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين [يونس: ٩٤] وجه التشابه أن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكًّا؛ ولهذا أحاله على الذين يقرءون الكتاب من قبله ثم قال: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِيننعم.
موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه
01:21:33

الطالب:
موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه؛ إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وقال في الراسخين في العلم: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؛ فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المتشابهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به فيَضِلُّون ويُضَلُّون، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حَقٌّ وليس فيه اختلاف ولا تناقض؛ لأنه من عند الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وما جاء مشتبهًا ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا.
ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].

الشيخ: إذن هذه الآية من المشتبه، وانقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:
قسم قالوا: هي مماثلة لأيدي المخلوقين، وعِلَّتُهم في ذلك أيش؟ أن الله خاطبنا بما نعلم ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد، وهؤلاء هم المُمَثِّلَة.
والثاني قالوا: إن ظاهر الآية التمثيل؛ ولهذا يجب أن نصرفها عن ظاهرها إلى أمر معنوي، ونقول: اليد بمعنى النعمة، أو بمعنى القدرة.
القسم الثالث من الناس في هذه الآية قالوا: نثبت لله تعالى يدين حقيقيتين لا تماثلان أيدي المخلوقين، أما إثبات اليدين؛ فلأن الله أثبتهما لنفسه، وهو أعلم بنفسه منا، وأما كونهما لا تماثلان أيدي المخلوقين؛ فلأن الله تعالى قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، هذا دليل سمعي.
دليل عقلي: إذا كان لله ذات لا تشبه ذوات المخلوقين فليكن له صفات لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الصفات تابعة للذات، وكلنا يعرف أن اليد المضافة إلى الجَمَل ليست كاليد المضافة إلى الأرنب مثلًا، بمجرد ما يقول الإنسان: يد أرنب يعرف أنها يد صغيرة تليق بالأرنب، أو يقول: يد جمل يعرف أنها يد كبيرة تليق بالجمل؛ فصفات كل شيء تناسبه، فإذا كنت أيها المعطل تثبت أن لله ذاتًا؛ لأنه لو أنكر أن يكون لله ذات لكفر، لأن هذا جحد مطلق، لكن يقول: لله ذات، هل تقول: إنها تماثل ذوات المخلوقين؟ سيقول: لا، إذن أثبت صفات لا تماثل صفات المخلوقين؛ لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات، وهذا قياس واضح.
الطالب: ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سَبَبُها التفضل من الله تعالى على عباده، أما السيئة فسَبَبُها فعل العبد كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠] فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مُقَدِّره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لانفكاك الجهة.
الشيخ: إذن إضافة السيئة إلى الإنسان إضافة شيء إلى السبب، وإضافتها إلى الله إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبينهما فرق، وإذا انفكت الجهة زال التعارض؛ لأن التعارض إنما يكون فيما إذا ورد الشيئان على شيء واحد، أما مع انفكاك الجهة فلا تعارض، وأظن هذا واضح يا إخواني، لكن أهل الباطل يتخذون من مثل ذلك وسيلة إلى الطعن في القرآن.
الطالب: ويقولون في المثال الثالث..
الشيخ: فيه أيضًا آية أخرى يقول الله تعالى عن المكذبين: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، وفي آية أخرى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين [الأنعام: ٢٣] ففي الآية الأولى نفى أن يكتموا الله، وفي الثانية أثبت أنهم يكتمون، فيأتي إنسان ويقول: هذا القرآن يتناقض، القرآن يقول: وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] ويقول: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] هذا تناقض، لكن الراسخين في العلم يجيبون عن هذا، يقول مثلًا: يوم القيامة هل هو ساعة؟
الجواب: يوم، شهر، سنة، مئة سنة، خمسون ألف سنة، تتغير الأحوال، مرة يكتمون ومرة لا يكتمون، مرة تكون الوجوه سودًا ومرة تكون زرقًا، أو يحمل على أن الأزرق شديد الزرقة يميل إلى السواد، فيصح أن يكون أسود أو أن يُوصَف بأنه أسود بهذا الاعتبار، والمهم أن الإنسان أنه يُفِرِّق بين إنسان يأتي بمثل هذه المتشابهات من أجل أن يطعن فيها بتناقض بعضها البعض، وبين إنسان تمر عليه ويحاول أن يجمع بينها، فإن الأول لا يُفتَح عليه ولا يُوَفَّق للجَمْعِ، والثاني هو الذي يُوَفَّق، ونظير هذا ما يطنطن به بعض الطلبة، تجده بمجرد ما يشتبه عليه حديثان يأتي بهما على وجه التماس التعارض، ولو أنه فكر قليلًا لعرف أنه لا تعارض، وهذا يَرِدُ كثيرًا من بعض الطلاب يُحِب الإغراب في الشيء، بمجرد ما يتوهم أن هناك تعارضًا بين حديثين أو آيتين يأتي بهما ويقول: كيف كذا، وكيف كذا؟ ما الجمع بين كذا وكذا؟ مع أنه لو تأمل أقل تأمل لعرف أنه لا تناقض.
الطالب: ويقولون في المثال الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقَعْ منه شك فيما أُنزل إليه، بل هو أعلم الناس به وأقواهم يقينًا كما قال الله تعالى في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهالآية [يونس: ١٠٤]، المعنى: إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه؛ ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم، وأعبد الله، ولا يلزم من قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ [يونس: ٩٤]..
الشيخ: أفهمتم الآن هذه الآية من أصعب ما يكون إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] فيقول: هذا الرسول عليه الصلاة والسلام يشك، نقول: لم يقل الله ذلك عن شك في رسوله، وكيف يكون ذلك وهو قد قال في نفس السورة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم [يونس: ١٠٤]، والمعنى: إن كنتم في شك فأنا على يقين، فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أَعْبُد الله الذي يتوفاكم.
الطالب: ولا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَأن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه، ألا ترى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله تعالى أو حاصلًا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٢، ٩٣] ولا يلزم..